عاجل:

هل تصحّ ملاحقة المقـاومين قانونياً؟

الإثنين ٣٠ مارس ٢٠٢٦
٠٤:٤٢ بتوقيت غرينتش
هل تصحّ ملاحقة المقـاومين قانونياً؟ بعد قرار الحكومة اللبنانیة في 2 آذار 2026، في ظل العدوان الإسرائيلي الواسع على لبنان، حظر الأعمال العسكرية للمقاومة، أُوقف مقاومون يجري التحقيق معهم أمام القضاء بتهمة خرق الفقرة الأولى المادة 288 من قانون العقوبات التي تنص على أنه «يعاقب بالاعتقال المؤقت من خرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب»، فهل ارتكب المقاومون جريمة وفق هذه المادة؟

لا شكّ في أن أيّ جريمة، من منظور قانون العقوبات، تقوم على أركان تحدّد عناصر التجريم، ومن بينها الركن المادي، أي اقتراف الفعل الذي خالف تدابير اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب. واذا سلمنا جدلاً بأن الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية تندرج ضمن إطار المادة 288، فيعني أن الدولة اتخذت تدابير حيادية من الحرب المشكوّ منها كي تشكّل موضعاً للتجريم فور مخالفتها هنا أو هناك.

الا أن الدولة اللبنانية، حينما أقدم المقاومون على إطلاق الصواريخ تجاه «اسرائيل»، لم تكن، حينها، قد اتخذت قرارات أكدت حيادها، وانما عبّرت عن تمنيات أو مواقف سياسية لا ترقى إلى مستوى التدابير، وبالتالي فعناصر التجريم غير مكتملة.

علاوة على أن علّة المادة 288 تكمن في الحفاظ على العلاقات الدولية مع الدول المتحاربة، في حين أن «اسرائيل»، بصرف النظر عن الواقع المطروح، تعتبر، وفق المادة الأولى من القانون الصادر في 23 حزيران 1955، عدواً لا يجوز التعامل معه بأي طريقة من الطرق، مما يعني أن مقاصد المادة 288 لا تشمل دولة عدوة تبعاً للعلاقة الدولية المحظورة قانوناً في الأصل، لا سيما أن هذا الفعل، موضوع التجريم، جاء في سياق دفع تعرّض متكرر من قبل «اسرائيل»، وهو سبب من أسباب التبرير للفعل وإباحته إن كانت هناك نيّة للوصف الجرمي، طبقاً لقواعد قانون العقوبات، لأنه يندرج ضمن دائرة الدفاع المشروع وفاقاً للمادة 184 من قانون العقوبات التي تنصّ على أنه «يُعد ممارسة حقّ كلّ فعل قضت به ضرورة حالية لدفع تعرّض غير محق ولا مثار على النفس أو الملك... ويستوي في الحماية الشخص الطبيعي والشخص المعنوي»، بحيث أن أيّ إدعاء بأن هذه المادة تخاطب فعلا فردياً لا جماعياً، يُرد عليه بالمادة نفسها لجهة المساواة في الحماية بين الشخص الطبيعي والشخص المعنوي، إن قاربنا على أن الفعل صدر عن مؤسسة أو هيئة جماعية.

من الثابت أنّ اتفاقية لاهاي لعام 1907 كمصدر هام من مصادر القانون الدولي الإنساني العرفي، والتي نظّمت مبدأ الحياد الوارد في قانون العقوبات، ترسم واجبات على الدولة المحايدة، ومنها الامتناع عن الاشتراك في الحرب وعدم السماح باستخدام أراضيها ومعاملة جميع أطراف النزاع على قدم المساواة. وفي المقابل، تفرض حقوقاً لا يجوز المساس بها، ومنها التزام الدول المتحاربة احترام سيادة الدولة الحيادية وعدم القيام بأيّ أعمال عدائية على أراضيها، وموافقة دول الجوار، وهذا ما لا يمكن تأمينه بسبب انتهاج «إسرائيل»، كدولة من الجوار، العدوان المتكرر على لبنان وأراضيه.

هذه الواجبات تعني أنّ التزام لبنان الحياد مقابل عداء دولة من الجوار يخلّ بحق الدولة المنصوص عنه في الاتفاقية الدولية، فضلاً عن أنّ السير بنص المادة 288 بمعزل عن أحكام اتفاقية 1907، يعطّل دور الدولة بالدفاع عن المجتمع. ويصبح هذا الموضوع أكثر إلحاحاً في ظروف استثنائية كالحرب، على اعتبار أن زمن الحرب يستوجب تدابير أو مسؤوليات استثنائية وإضافية لا التخلّي عن مسؤوليات تعتبر، أصلاً، طبيعية في الزمن العادي.

إعمال النصوص، يعني منحها كلّ مفاعيلها، وهذه المفاعيل لا تتوقف عند حدود مادة قانونية بمعزل عن مواد أخرى، بحيث أنّ المادة الثانية من أصول المحاكمات المدنية تنصّ على أنّ المحاكم ملزمة بالتقيد بمبدأ تسلسل القواعد، بحيث أن تعارض أحكام المعاهدات مع أحكام القانون العادي، تتقدّم في مجال التطبيق، الأولى على الثانية.

وعلى هذا النحو استقرّ التطبيق في القضاء العدلي بسمو المعاهدة على القانون، مما يعني أنّ أحكام اتفاقية لاهاي للعام 1907، الملزمة أساسا للبنان و«إسرائيل»، تُفرض على تفسير أحكام المادة 288 من قانون العقوبات عدا عن أن الاتفاقية المشار إليها، تتضمّن أحكاماً تفسيرية لا متعارضة إن جاز التعبير، الأمر الذي يؤدي إلى استبعاد الصفة الجرمية عن سلوك المـقـاومين الذين صدّوا عدواناً قرّرت الدولة، أصلاً، بقواها الذاتية عدم مواجهته، بل بإزالة كلّ وسائل الدفاع بوجهه، عوضاً عن دفعه بالوسائل القانونية المكفولة في قانون الدفاع الوطني وأحكام المرسوم الاشتراعي رقم 52/ 1967.

على قاعدة «إعمال النص خير من إهماله»، لا يجوز، بحسب المادة الثانية من الدستور اللبناني، التخلي عن أحد أقسام الأراضي اللبنانية أو التنازل عنه، وبالتالي فإنّ تطبيق الحياد بشكله المطلق، وبمعزل عن المادة الثانية من الدستور أو اتفاقية لاهاي، أو بمعزل عن واقع الاحتلال في أجزاء من الجنوب اللبناني، يقود إلى سلخ سيادة الدولة عن جزء من الأرض اللبنانية، وهو أمرٌ حظّرته المادة 302 من قانون العقوبات بعقوبة الاعتقال المؤبد، مما يعني أنّه لا تجوز مقاربة قانون العقوبات من مادة بشكل مستقل تماماً عن سائر المواد، بحيث أنّ حياد الدولة يجب أن يتوقف عند حدود مزاحمتها على أرض من أراضيها، وفي حال قرّرت التخلي عنها، ولو ضمنياً، فيعني أنّها تتخلّى عن بسط سيادتها على كلّ الأراضي اللبنانية، عندئذٍ يحقّ للشعب، وهو الأصيل وصاحب السيادة بحسب الفقرة «د؛ من مقدمة الدستور، أن يتولى الدفاع عن حقّه الأصلي الّذي تنازل عنه الوكيل (المؤسسات الدستورية) من خلال إزالة وسائل الدفاع عن السيادة.

وبمنطق الفقرة «د» من مقدمة الدستور ، الّتي ميّزت بين الأصيل (الشعب) الذي يعتبر صاحب السيادة، وبين الوكيل (المؤسسات الدستورية) الذي يمارس هذه السيادة وكالةً، فإنّ فكرة الدولة، نشأت، إلى حدٍ ما، بحسب ما يراه جانب كبير من الفقه الدستوري، من خلال العقد الإجتماعي الذي يقوم بين شعبٍ تنازل عن جزء من سيادته لصالح حاكم يتولى الدفاع عن سيادته.

وبالتالي إن تقاعس الحاكم، وفقًا للنظرية، عن السبب الأساس الّذي جعل الشعب يتنازل عن سيادته، أيّ في الدفاع عن السيادة، عندئذ يتحقق الإخلال بالعقد الاجتماعي، بحيث يستطيع الشعب الدفاع عن نفسه ريثما تتأمّن ظروف ممارسة الحاكم للدفاع عن السيادة، وهذا حالُ النظرة للمقاومة كإستثناء لا يظهر الا عندما تعجز الدولة عن دورها.

جرّاء ما تقدّم، لا يمكن تطبيق المادة 288 على أفعال أخرجتها سائر النصوص من التطبيق، سواء بقوة الدستور والإتفاقيات الدولية، أو بقوة الإستثناءات التشريعية وقواعد العقد الاجتماعي.

بقلم: جهاد إسماعيل.. كاتب وأستاذ جامعي لبناتي متخصص في القانون الدستوري

0% ...

آخرالاخبار

المتحدث باسم الجيش الأمريكي: تحطمت مروحية «بلاك هوك» بشكل كامل في دنفر بولاية كولورادو


السيناتور كريس فان هولين: ترامب يواصل التربح من معاناة الأميركيين بما في ذلك الحرب العبثية التي أشعلها في إيران


السيناتور كريس فان هولين: ترامب يستفيد بشكل فاحش من الحرب غير القانونية على إيران


وزير الحرب الأميركي الأسبق ليون بانيتا: استمرار إيران في إغلاق مضيق هرمز يفرض ضغوطًا اقتصادية على الولايات المتحدة


رويترز نقلا عن بيانات شركة «كبلر»، المتخصصة في تتبع حركة السفن: خمسة سفن فقط عبرت مضيق هرمز خلال اليوم الماضي


رويترز: مع استئناف المفاوضات بين إيران وسلطنة عُمان بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، تراجع سعر خام برنت بنسبة 2% إلى 86.80 دولارًا، فيما انخفض خام غرب تكساس الوسيط إلى 80.87 دولارًا


شبكة NBC News الامريكية: مصادر أكدت إن الهجمات الإيرانية ألحقت أضراراً بالمواقع الاستخبارية الأميركية ومعدات المراقبة في المنطقة


شبكة NBC News الامريكية: إيران ألحقت أضراراً بمليارات الدولارات بمواقع استخباراتية أميركية


قوات الاحتلال تواصل سيطرتها على معهد تدريب قلنديا شمالي القدس المحتلة


زعيم العارضة الفرنسية جان لوك ميلانشون: رفض الاعتراف بالإبادة الجماعية في غزة قد أوقع بلادنا في فخ التواطؤ مع الجرائم الإسرائيلية


الأكثر مشاهدة

تسارع المشاورات الإقليمية ومسارات الحوار بشأن مضيق هرمز... إليكم التفاصيل


بعد فشل المواجهة العسكرية.. واشنطن تعود إلى سلاح العقوبات


إيران تصمد أمام حصار ترامب وتُربك الحسابات الأمريكية!


رصاصة واحدة تُسقط زعيم المافيا القوقازية داخل"إسرائيل"


وزير الاقتصاد الإيراني مدني زاده تعليقاً على العقوبات الأميركية: استعددنا لهذه الأيام منذ وقت طويل وكنا نعرف مخططاتهم


وزير الاقتصاد الإيراني: عصر العالم أحادي القطب انتهى وسيدركون هذه الحقيقة مجدداً وسيرون أنهم لن ينجحوا على الإطلاق


مصادر لبنانية: قصف مدفعي للاحتلال الاسرائيلي يستهدف منطقة "علي الطاهر" جنوب لبنان


مصادر فلسطينية: إصابة 3 فلسطينيين في هجوم لمستوطنين على قرية أغرين جنوب الخليل جنوبي الضفة الغربية


الضفة الغربية: الاحتلال يعتقل طفلاً ويحتجز شابين في رام الله


رويترز: وزير الحرب الأمريكي خلال إحاطة حول الحرب ضد إيران: إن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تجري بوتيرة محدودة للغاية مقارنة بما يرغب فيه الجميع


وزير الحرب الأمريكي: سبب هذه المخاطر يعود إلى القوارب السريعة الصغيرة الإيرانية