عاجل:

الرسوم الجمركية الأمريكية... حين تتحول التجارة إلى أداة للضغط السياسي

الأحد ٢٦ يوليو ٢٠٢٦
٠٧:١٦ بتوقيت غرينتش
الرسوم الجمركية الأمريكية... حين تتحول التجارة إلى أداة للضغط السياسي بقلم: حيدر زيبرم

أعادت الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على عشرات الدول فتح النقاش حول الحدود الفاصلة بين الاقتصاد والسياسة. فعلى الرغم من أن الإدارة الأمريكية بررت هذه الإجراءات بأنها تستند إلى مكافحة المنتجات المصنوعة بالعمل القسري، فإن توقيتها واتساع نطاقها دفعا كثيرا من المراقبين إلى التساؤل: هل الهدف الحقيقي هو حماية القيم الإنسانية، أم إعادة تشكيل ميزان القوى السياسية والاقتصادية؟
من حيث المبدأ، لا يختلف اثنان على أهمية مكافحة العمل القسري وحماية حقوق الإنسان، غير أن تحويل هذا الملف إلى أداة لفرض رسوم جمركية واسعة يثير إشكالية تتعلق بازدواجية المعايير. فالولايات المتحدة نفسها ترتبط بعلاقات اقتصادية واستراتيجية مع دول تتعرض لانتقادات حقوقية، مما يجعل من الصعب الفصل بين الاعتبارات الأخلاقية والحسابات الجيوسياسية. لذلك، يرى عدد من المحللين أن الخطاب الحقوقي قد يتحول أحيانا إلى غطاء يمنح السياسات التجارية شرعية سياسية أكثر من كونه الدافع الحقيقي لها.
أما بالنسبة لدول مجلس التعاون، فإن التأثير لا ينبغي النظر إليه من زاوية الرسوم الجمركية وحدها، بل من خلال البيئة الاقتصادية المحيطة. فالمنطقة تواجه تحديات ناتجة عن التوترات الأمنية واضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وهو ما يجعل أي قيود تجارية إضافية تزيد الضغوط على الاقتصادات الإقليمية. ومع ذلك، فإن بعض الطروحات الإعلامية تبالغ عندما تربط الرسوم مباشرة بانخفاض قيمة العملات الخليجية، لأن معظم عملات دول مجلس التعاون مرتبطة بالدولار الأمريكي، الأمر الذي يحد من هذا الأثر المباشر، وإن كانت الرسوم قد تؤثر في الصادرات والاستثمارات وثقة الأسواق بطرق غير مباشرة.
كما أن الربط المباشر بين فرض الرسوم وبين ملفات سياسية، مثل التطبيع أو الاتفاقات النووية، يحتاج إلى أدلة رسمية واضحة. صحيح أن السياسة الأمريكية كثيرا ما توظف الأدوات الاقتصادية لخدمة أهدافها الاستراتيجية، لكن الانتقال من وجود تزامن زمني إلى الجزم بوجود علاقة سببية يبقى استنتاجا سياسيا لا حقيقة مثبتة. والكتابة الرصينة تقتضي التمييز بين الوقائع المؤكدة والتحليلات المحتملة.
ومن زاوية أخرى، فإن الرسوم الجمركية لا تُعد عقوبة أحادية الاتجاه. فمن الناحية الاقتصادية، يدفع المستورد الأمريكي الرسوم للحكومة الأمريكية، ثم يحاول نقل جزء من تكلفتها إلى المستهلك أو إلى المورّد عبر إعادة التفاوض على الأسعار. لذلك فإن آثارها تتوزع بين المنتج الأجنبي، والمستورد الأمريكي، والمستهلك النهائي، ولا تقع بالكامل على طرف واحد. وقد حذرت مؤسسات اقتصادية من أن هذه السياسات قد ترفع تكاليف بعض السلع وتزيد الضغوط التضخمية داخل الولايات المتحدة نفسها.
الأهم من ذلك أن هذه الإجراءات تعكس اتجاها متصاعدا في العلاقات الدولية، يتمثل في استخدام التجارة والرسوم الجمركية والعقوبات الاقتصادية بوصفها أدوات نفوذ سياسي، لا مجرد وسائل لتنظيم الأسواق. وفي عالم تتشابك فيه المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية، أصبحت السياسة التجارية امتدادا للدبلوماسية، وأحيانا بديلا عن المواجهة العسكرية المباشرة.
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الرسوم الجمركية وحدها، بل في هشاشة الاقتصاد العالمي الذي أصبح شديد التأثر بالقرارات الأحادية. فكلما تحولت التجارة إلى وسيلة للضغط السياسي، ازداد عدم اليقين لدى المستثمرين، وارتفعت كلفة الإنتاج، وتراجعت الثقة في النظام التجاري الدولي القائم على القواعد والمؤسسات.
وفي المحصلة، فإن من حق أي دولة أن تدافع عن مصالحها الاقتصادية، لكن عندما تتحول الرسوم الجمركية إلى أوراق ضغط سياسية، فإنها تتجاوز وظيفتها الاقتصادية لتصبح جزءا من صراع النفوذ الدولي. وهنا يصبح الخاسر الأكبر هو الاقتصاد العالمي والمستهلك العادي، الذي يجد نفسه في نهاية المطاف يدفع ثمن قرارات لم يكن طرفا في صناعتها، سواء كان يعيش في واشنطن أو الرياض أو أبوظبي أو أي مكان آخر.

0% ...

آخرالاخبار

وكالة فارس عن وزارة النفط الإيرانية: البنك المركزي الايراني تسلم خلال أربعة اشهر (من21 مارس إلى 22 يوليو 2026) 7.5 مليارات دولار من عائدات النفط


الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يصل الى العاصمة القرغيزية بيشكك


كوثري: اي سفينة تعبر مضيق هرمز من دون التنسيق مع قواتنا المسلحة سيتم استهدافها


عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إسماعيل كوثري: سنرد على أي عدوان على إيران بشكل أشد وأقوى


حرس الثورة يستهدف مسيّرة أمريكية من طراز MQ9 فوق مضيق هرمز


حين يطلب من المظلوم أن يتخلى عن قوته


أسعار النفط تقفز نحو 3% وخام برنت يتجاوز 90 دولارا للبرميل


شركة النفط الوطنية الإيرانية: لم تتوقف أي من المشاريع الجارية في خارك وبعضها حقق تقدمًا بين 20 و30%


شركة النفط الوطنية الإيرانية: أعمال إعادة تأهيل وتحديث الخزانات والأرصفة في خارك مستمرة دون توقف


شركة النفط الوطنية الإيرانية: الأنشطة النفطية في جزيرة خارك لم تتوقف ولو للحظة رغم القصف الأميركي-الصهيوني


الأكثر مشاهدة

وعود الدولة تصطدم بنار الإحتلال في جنوب لبنان!


مولد النبي يوحّد القلوب.. احتفالات شعبية واسعة في إيران


إنهيار الجيش الذي لا يُقهر: جنوده ينهارون تحت وطأة الحرب!


بلومبرغ: الجمهوريون الذين أوصلوا ترامب إلى البيت الأبيض بوعودٍ بكبح التضخم وإبعاد الولايات المتحدة عن الصراعات الخارجية، يخشون الآن من تراجع شعبيته مع ارتفاع أسعار الوقود ومعدلات التضخم


إصابة شاب برصاص جيش الاحتلال في منطقة التوام شمال غربي مدينة غزة


قناة "كان" العبرية: السعودية حاولت إقناع الولايات المتحدة بقيادة حملة عسكرية ضد أنصار الله في اليمن إلا أن واشنطن رفضت الطلب السعودي


"برس تي في" عن مصدر إيراني أمني: واشنطن تحاول تصوير المسار الجنوبي في هرمز على أنه يعمل بصورة طبيعية وسلسة


"برس تي في" عن مصدر إيراني أمني: عمليات إيران الرامية إلى إبقاء مضيق هرمز مغلقاً حقيقية خلافاً للروايات الأميركية الكاذبة


"برس تي في" عن مصدر إيراني أمني: من استهداف السفن التي تنتهك الترتيبات ومن تغيير ناقلات النفط مساراتها يتضح استجابة للتحذيرات


رئيس لجنة الأمن القومي بالبرلمان الايراني إبراهيم عزيزي: أمريكا وقعت في مستنقع من صنعها بسبب حساباتها الخاطئة


إبراهيم عزيزي: إن قوة إيران كسرت هيمنة أمريكا في العالم