'اتفاق مكة' يقلب قواعد اللعبة.. ومصر خارج الحسابات

الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦
٠٤:٢٥ بتوقيت غرينتش
'اتفاق مكة' يقلب قواعد اللعبة.. ومصر خارج الحسابات بقلم: فراس فرحات - كاتب وباحث سياسي

ليست كل الاتفاقات التي تُوقّع في الشرق الأوسط مجرد أوراق سياسية، وبعضها لا تبدأ أهميته من بنوده، بل من اللحظة التي وُلد فيها.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة "اتفاق مكة للدفاع المشترك" بين السعودية وتركيا وباكستان باعتباره أكثر من مجرد تفاهم أمني بين ثلاث دول؛ فهو مؤشر على أن معادلات القوة في المنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل عميقة.

أن تتفق الرياض وأنقرة وإسلام آباد على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا، فهذا يعني أن مفهوم الأمن الجماعي بدأ يجد طريقه إلى المنطقة بصيغة إقليمية، حتى لو بقيت آليات تنفيذه وحدوده السياسية والعسكرية غير مكتملة.

وهنا تكمن أهمية التوقيت...

فالشرق الأوسط لم يعد يعيش مرحلة الاستقرار النسبي التي كانت تسمح للولايات المتحدة بإدارة أمن المنطقة من خلال شبكة من التحالفات الثنائية والضمانات غير المباشرة.

المنطقة اليوم أمام بيئة أمنية أكثر اضطرابًا، وتوازنات أكثر هشاشة، وتهديدات تتجاوز الجيوش التقليدية إلى الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية وأدوات الضغط غير المباشر.

في هذه البيئة، تبدو السعودية وكأنها انتقلت من سياسة انتظار الضمانات إلى سياسة بناء البدائل.

الرياض لا تقطع مع واشنطن، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الاعتماد على قوة واحدة في بيئة إقليمية متحركة قد يتحول إلى نقطة ضعف لذلك، فإن توسيع الشراكة مع تركيا وباكستان لا يمكن فصله عن رغبة سعودية في امتلاك هامش أوسع من الاستقلالية الاستراتيجية، وتوزيع مصادر القوة بدل تركيزها في اتجاه واحد.

لكن المشهد يطرح سؤالًا أكثر حساسية: أين مصر؟

غياب القاهرة عن الاتفاق الثلاثي ليس تفصيلًا هامشيًا.. فمصر ليست مجرد دولة عربية كبيرة، بل تمثل ثقلًا عسكريًا وسياسيًا وجغرافيًا يجعل حضورها أو غيابها مؤثرًا في أي مشروع لإعادة صياغة الأمن الإقليمي.

ومع ذلك، فإن استبعاد مصر من الصيغة الحالية لا يعني بالضرورة خروجها من الحسابات المستقبلية.

الحديث التركي عن إمكانية توسع الاتفاق وانضمام دول أخرى، ومن بينها مصر، يترك الباب مفتوحًا أمام سيناريو أكثر اتساعًا.

وهنا يصبح السؤال: هل نحن أمام تحالف ثلاثي محدود، أم أمام محاولة لتأسيس نواة لمنظومة أمن إقليمية جديدة؟

الإجابة لن تحددها البيانات السياسية، بل الميدان.

فعبارة "الهجوم على دولة هو هجوم على الجميع" تبدو قوية سياسيًا، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة حلف عسكري.

الحلف الحقيقي يبدأ عندما تتحدد قواعد الاشتباك، وآليات اتخاذ القرار، وحدود التدخل، وماذا ستفعل الدول الثلاث إذا تعرضت إحداها لهجوم واسع.

وهذه هي النقطة التي ستكشف مستقبل الاتفاق.

أما "إسرائيل"، فربما يكون الخطأ الأكبر أن تنظر إلى "اتفاق مكة" باعتباره إعلان حرب عليها.. المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك.

الاتفاق لا يعلن مواجهة "إسرائيل"، لكنه يضرب، بصورة غير مباشرة، فرضية كانت تراهن على أن التحولات الإقليمية ستقود السعودية تلقائيًا نحو تطبيع سريع، وأن الخطر الإيراني يمكن أن يكون القاعدة التي يُبنى عليها تحالف أمني إقليمي معلن.

وعليه.. الرياض اليوم تبدو أكثر حذرًا في توزيع أوراقها.

فهي تستطيع التعاون مع واشنطن، والانفتاح على تركيا، وتعزيز العلاقات مع باكستان، وفي الوقت نفسه الاحتفاظ بخيارات أخرى مع قوى دولية وإقليمية.

هذه الاستقلالية في إدارة العلاقات ليست تفصيلًا دبلوماسيًا، بل جزء من استراتيجية أوسع لتقليص هامش الابتزاز السياسي والأمني.

ومن هنا، فإن "إسرائيل" أمام معادلة جديدة: إما أن تتعامل مع السعودية باعتبارها شريكًا يملك قراره، أو أن تستمر في بناء سياساتها على افتراضات قديمة لم تعد تعكس الواقع.

أما واشنطن، فستجد نفسها أمام اختبار أكثر صعوبة، فإذا كانت الولايات المتحدة تريد الحفاظ على موقعها المركزي في هندسة أمن الشرق الأوسط، فعليها أن تقدم شيئًا يتجاوز البيانات والوعود، وأن تحدد بوضوح طبيعة التزاماتها تجاه حلفائها.

فالضمانات الأمنية الأميركية لم تعد وحدها كافية لإغلاق شهية دول المنطقة على بناء قدراتها الذاتية.

وفي هذا السياق، يكتسب الملف النووي السعودي أهمية استثنائية، ليس فقط من زاوية البرنامج النووي نفسه، بل باعتباره جزءًا من صفقة استراتيجية أكبر بين الرياض وواشنطن، تتقاطع فيها قضايا الأمن والطاقة والتكنولوجيا والتوازن مع إيران.

في النهاية، قد لا يكون "اتفاق مكة" حلفًا عسكريًا مكتمل الأركان، لكنه بالتأكيد يعكس شيئًا أكبر: تحولًا في طريقة تفكير المنطقة بأمنها.

فالدول التي كانت تعتمد لعقود على المظلة الأميركية بدأت تسأل سؤالًا مختلفًا: ماذا لو لم تكن المظلة متاحة دائمًا؟

وعندما يبدأ هذا السؤال بالتحول إلى اتفاقات دفاعية وشراكات عسكرية وتكنولوجيا مشتركة، فإننا لا نكون أمام تبدل في التحالفات فحسب، بل أمام إعادة تعريف لمفهوم القوة نفسه.

لذلك، فإن أهمية "اتفاق مكة" لا تكمن فقط في الدول الثلاث التي وقّعته، بل في الدول التي قد تنضم إليه لاحقًا، وفي مقدمتها مصر، وفي ردود فعل واشنطن وطهران وتل أبيب.

فإذا توسعت الدائرة، قد نكون أمام ولادة منظومة أمنية إقليمية جديدة.

أما إذا بقي الاتفاق في حدوده الثلاثية، فقد يتحول إلى ورقة استراتيجية تستخدمها الرياض وأنقرة وإسلام آباد لرفع سقف التفاوض مع القوى الكبرى.

وفي الحالتين، هناك حقيقة واحدة يصعب تجاهلها:

الشرق الأوسط لم يعد ينتظر أن يُكتب مستقبل أمنه بالكامل في واشنطن.

وقد يكون "اتفاق مكة" هو أول سطر في مرحلة جديدة لم تتضح كل عناوينها بعد.

0% ...

آخرالاخبار

خام برنت ينخفض أكثر من دولار إلى 87.03 دولار للبرميل


مقتل شخصين إثر سقوط طائرة مسيّرة على منزل خاص في مقاطعة ليبيتسك الروسية


وزير الطاقة الايراني: قطاع المياه والكهرباء أحدى نقاط قوة البلاد


طائرات الاحتلال الإسرائيلي تعتدي بغارة على النبطية الفوقا جنوب لبنان


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال الإسرائيلي تقتحم قرية عابا شرق جنين وتداهم منازل المواطنين


اعلن الجيش الأمريكي ان استهداف زورق تهريب في منطقة الكاريبي أسفر عن قتل 4 أشخاص


روسيا: تداعيات العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران تتجاوز الشرق الأوسط


إصابة شخصين في انفجار طائرتين مسيّرتين داخل منشأة في مقاطعة بيلغورود الروسية


إطلاق نار من آليات الاحتلال شرق مدينة خان يونس جنوب القطاع غزة


اعلنت الخارجية الروسية ان ممارسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو تهدد الأمن في القارة الأوراسية.


الأكثر مشاهدة

تسارع المشاورات الإقليمية ومسارات الحوار بشأن مضيق هرمز... إليكم التفاصيل


بعد فشل المواجهة العسكرية.. واشنطن تعود إلى سلاح العقوبات


إيران تصمد أمام حصار ترامب وتُربك الحسابات الأمريكية!


رصاصة واحدة تُسقط زعيم المافيا القوقازية داخل"إسرائيل"


وزير الاقتصاد الإيراني مدني زاده تعليقاً على العقوبات الأميركية: استعددنا لهذه الأيام منذ وقت طويل وكنا نعرف مخططاتهم


وزير الاقتصاد الإيراني: عصر العالم أحادي القطب انتهى وسيدركون هذه الحقيقة مجدداً وسيرون أنهم لن ينجحوا على الإطلاق


مصادر لبنانية: قصف مدفعي للاحتلال الاسرائيلي يستهدف منطقة "علي الطاهر" جنوب لبنان


مصادر فلسطينية: إصابة 3 فلسطينيين في هجوم لمستوطنين على قرية أغرين جنوب الخليل جنوبي الضفة الغربية


الضفة الغربية: الاحتلال يعتقل طفلاً ويحتجز شابين في رام الله


رويترز: وزير الحرب الأمريكي خلال إحاطة حول الحرب ضد إيران: إن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز تجري بوتيرة محدودة للغاية مقارنة بما يرغب فيه الجميع


وزير الحرب الأمريكي: سبب هذه المخاطر يعود إلى القوارب السريعة الصغيرة الإيرانية