وتمكنت طواقم الدفاع المدني الفلسطيني من انتشال 55 جثمانا ورفاتا لشهداء من تحت أنقاض مبنى لعائلة “ملكة” في منطقة الزيتون شرق مدينة غزة، كان يؤوي عشرات النازحين الذين لجؤوا إليه هربا من القصف الإسرائيلي، فيما تواصل الطواقم عمليات البحث لليوم الثالث على التوالي، وسط تقديرات بأن عدد الجثامين الموجودة في المبنى يتجاوز 60 شهيدا.
وقال مسؤول ملف الانتشال في الدفاع المدني محمد أبو دان إن الطواقم تمكنت من انتشال معظم الجثامين، تمهيدا لتشييعها بشكل جماعي في موكب جنائزي موحد مطلع الأسبوع المقبل، في وقت لا تزال فيه عمليات البحث مستمرة للوصول إلى ما تبقى من الضحايا تحت الركام.
وتكشف هذه العملية حجم المأساة الأوسع في القطاع، إذ يؤكد الدفاع المدني وجود قرابة 10 آلاف جثمان شهيد تحت الأنقاض، وهي تقديرات لا تمثل إحصائية نهائية، نظرا إلى تعذر الوصول إلى الضحايا وتسجيلهم رسميا، فيما أشارت تقديرات سابقة للدفاع المدني إلى أن أكثر من 10 آلاف مفقود ظلوا تحت الأنقاض ولم تدخل جثامينهم ضمن الإحصاءات الرسمية لوزارة الصحة لعدم وصولها إلى المستشفيات.
وتصطدم جهود انتشال هذه الأعداد الهائلة بواقع ميداني شديد القسوة، في ظل النقص الحاد في المعدات والآليات الثقيلة اللازمة لرفع كتل الخرسانة والركام والوصول إلى الأماكن التي يرجح وجود الضحايا فيها، إضافة إلى منع إدخال المعدات التخصصية إلى القطاع.
وتعتمد طواقم الدفاع المدني على إمكانات محدودة للغاية في مواجهة مئات الأطنان من الركام، فيما تحتاج عمليات الانتشال إلى البواقر والكباشات والشاحنات والآليات الثقيلة القادرة على رفع الأنقاض ونقلها، وهي معدات لا تتناسب كمياتها المتاحة مع حجم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب.
وتزداد المهمة تعقيدا مع مرور الزمن، إذ يؤدي بقاء الجثامين لفترات طويلة تحت الأنقاض إلى تحللها وتحولها في كثير من الحالات إلى رفات، الأمر الذي يفرض على فرق الإنقاذ تنفيذ عمليات يدوية دقيقة للوصول إلى بقايا الضحايا وانتشالها، بدلا من عمليات الرفع السريع التي تتيحها المعدات الثقيلة.
وتشير بيانات حديثة للدفاع المدني إلى حجم الانهيار الذي أصاب قدرته التشغيلية، بعدما فقد الجهاز نحو 85 بالمئة من معداته، ولم يعد يعمل إلا بما يقدر بنحو 5 إلى 7 بالمئة من طاقته الفعلية التي كان يمتلكها قبل الحرب، فيما لم يتمكن حتى مطلع عام 2026 من انتشال سوى نحو 350 جثمانا من بين آلاف لا تزال تحت الركام.
وتواجه فرق الإنقاذ كذلك مخاطر متواصلة أثناء العمل داخل المباني المدمرة، بعدما استشهد وأصيب عشرات من أفراد الدفاع المدني خلال عمليات البحث والإنقاذ وانتشال الضحايا، بينما يضطر العاملون إلى مواصلة مهماتهم في مواقع غير مستقرة ومليئة بالأنقاض.
وتنفذ فرق الدفاع المدني عمليات الانتشال الحالية ضمن مشروع مدعوم بـ800 ساعة عمل، بالتنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهي قدرة محدودة مقارنة بحجم الدمار وحجم المهمة التي تنتظر الطواقم في مختلف مناطق القطاع.
وتضع عملية انتشال 55 جثمانا من مبنى واحد صورة مصغرة عن أزمة أكبر تمتد عبر غزة بأكملها؛ فخلف آلاف المباني المدمرة لا تزال جثامين مفقودين تنتظر الوصول إليها، بينما تقف قلة الآليات الثقيلة ونقص المعدات المتخصصة عائقا أمام إغلاق ملفات آلاف العائلات التي لا تزال تنتظر معرفة مصير أبنائها.
وتبقى آلاف الجثامين تحت الركام شاهدة على حجم الدمار، في انتظار معدات تستطيع إزالة الأنقاض والوصول إلى الضحايا، وإخراجهم من قبورهم القسرية ليجدوا أخيرا طريقهم إلى مثواهم الأخير، وتتمكن عائلاتهم من وداعهم بعد انتظار طال لأشهر وسنوات