عاجل:

لا تسقط المقاومة حين تسقط التلال..علي الطاهر بين حقيقة الميدان وصناعة الهزيمة

الإثنين ٠٧ سبتمبر ٢٠٢٦
٠٨:١١ بتوقيت غرينتش
لا تسقط المقاومة حين تسقط التلال..علي الطاهر بين حقيقة الميدان وصناعة الهزيمة بقلم : د. أكرم شمص - لبنان

في الحروب الكبرى، ليست أخطر لحظة حين يسقط موقع، بل حين ينجح العدو في إقناعك بأن سقوط الموقع يعني سقوط القضية. فالجبال تُحتل، والتلال تتبدل فوقها الأعلام، والجيوش تتقدم وتتراجع، لكن التاريخ لا يسأل فقط: من وقف فوق التلة؟ بل يسأل: من بقي قادرًا على القتال في اليوم الذي تلاه؟

من هنا ينبغي قراءة ما يجري في مرتفعات علي الطاهر. فقد أعلن كيان الاحتلال تحقيق «سيطرة عملياتية» على المرتفعات، واعتبرها خطوة في إحكام ما يسميه «القبضة الأمنية» على جنوب لبنان، فيما ربط وزير حرب الاحتلال الانسحاب من «المنطقة الأمنية» بنزع سلاح حزب الله. وفي المقابل، بقيت طبيعة السيطرة الميدانية وحجم التمركز الاحتلالي موضع نقاش وغموض.

وهنا يصبح السؤال أكبر من التلة نفسها: هل يريد كيان الاحتلال السيطرة على علي الطاهر، أم السيطرة على معنى ما جرى فوقها؟

الجغرافيا لا تروي القصة كاملة

من الخطأ إنكار الأهمية العسكرية لعلي الطاهر، بما تمنحه مرتفعاتها من إشراف على النبطية وإقليم التفاح ومحيط الليطاني. لكن الخطأ الأخطر هو تحويل خسارة موقع جغرافي – إذا ثبتت السيطرة الكاملة عليه – إلى إعلان عن سقوط المقاومة.

فهناك فارق هائل بين احتلال الأرض وإنهاء من يقاوم الاحتلال.

الأول يحتاج إلى جيش ونار وتفوق جوي؛ أما الثاني فيحتاج إلى كسر الإرادة.

والمقاومة لم تكن يومًا مرادفًا لتلة أو نفق أو خط دفاع. إنها قبل ذلك قرار سياسي وعقائدي بأن الاحتلال لا يتحول، مهما طال الزمن، إلى حقيقة طبيعية. ولو كانت حركات المقاومة تنتهي بخسارة الجغرافيا، لما عرف التاريخ مقاومة أصلًا؛ لأنها غالبًا ما تولد عندما تصبح الجغرافيا تحت سيطرة الخصم.

حتى مصطلح «السيطرة العملياتية» الذي استخدمه كيان الاحتلال يستحق التوقف عنده. فهناك فارق بين القدرة على تطويق منطقة بالنار، ومراقبتها جوًا واستهداف الحركة فيها، وبين تحويلها إلى موقع احتلال مستقر تستطيع قوات الاحتلال البقاء فيه وتأمينه والدفاع عنه.

لذلك لا حاجة إلى إنكار التفوق العسكري لكيان الاحتلال، كما لا حاجة إلى منح إعلانه أكثر مما يثبته الميدان.

كيان الاحتلال يريد أكثر من التلة

لو كانت علي الطاهر هي الهدف النهائي، لانتهت الحكاية عند السيطرة عليها. لكن ربط الانسحاب من «المنطقة الأمنية» بنزع سلاح حزب الله يكشف مشروعًا يتجاوز التلة.

نحن هنا أمام محاولة لاستخدام الاحتلال نفسه وسيلة لإعادة صياغة المعادلة السياسية اللبنانية: نحتفظ بالأرض لنضغط على الدولة، ونضغط على الدولة لتضغط على المقاومة، ثم نربط الانسحاب بتغيير ميزان القوة داخل لبنان.

وهكذا تتحول الجغرافيا المحتلة إلى رهينة سياسية: الأرض مقابل السلاح، والانسحاب مقابل التنازل، والسيادة مقابل تغيير معادلة القوة الداخلية.

وهذا أخطر من احتلال تلة؛ لأنه يحول الاحتلال من نتيجة للحرب إلى أداة تفاوض وابتزاز سياسي.

فالخطر الحقيقي أن تتحول «المنطقة الأمنية» من مصطلح احتلالي إلى واقع طويل الأمد، وأن تصبح السيطرة على المرتفعات مقدمة لجغرافيا أوسع، ثم أوراقًا على طاولة المفاوضات، ليُقال للبنان في النهاية: إذا أردتم أرضكم، فغيّروا معادلتكم الداخلية.

وهنا يصبح السؤال متعلقًا بمفهوم السيادة نفسه: هل الدولة صاحبة السيادة هي التي تحدد منظومتها الدفاعية، أم تستطيع قوة تحتل أرضها أن تفرض عليها شروط استعادتها؟

من احتلال الأرض إلى احتلال الوعي

يحتاج كيان الاحتلال إلى شيء آخر: صورة النصر.

جندي فوق مرتفع، علم فوق موقع، نفق أمام الكاميرات، وخريطة تتسع عليها «المنطقة الأمنية».

ثم تبدأ الحرب الأهم: إقناع اللبناني بأن كل شيء انتهى، وأن المقاومة انتهت، وأن ميزان القوى حُسم، وما بقي سوى توقيع شروط المنتصر.

وهنا تصبح الصورة جزءًا من السلاح. فكما تستهدف المسيّرة موقعًا عسكريًا، تستهدف الرواية المعنويات. وكما تحاصر الطائرات التلة بالنار، يحاول الإعلام محاصرة الوعي بصورة واحدة يُراد لها أن تصبح الحقيقة كلها.

وهذه ربما أخطر معارك علي الطاهر: ليس أن يدخل الاحتلال الجبل، بل أن يدخل إلى عقل اللبناني ويقنعه بأن الجبل هو المقاومة كلها.

وهذا يخدم أيضًا حاجة نتنياهو الداخلية إلى تقديم نفسه بوصفه الرجل الذي أبعد حزب الله عن الشمال، وأعاد الأمن إلى المستوطنات ووسّع المنطقة الأمنية. وهكذا تصبح التلة جزءًا من صناعة صورة سياسية قابلة للاستخدام داخليًا، حتى لو كان الواقع الميداني أكثر تعقيدًا.

بين الخسارة والهزيمة

المقاومة ليست جيشًا كلاسيكيًا يقف على خط دفاع واحد؛ فإذا اخترقه الخصم، انهارت المنظومة خلفه. منطقها مختلف: تقاتل، وتعيد التموضع، وتغيّر أدواتها، وتحافظ على عناصر قوتها، وتبحث عن نقطة ضعف الخصم بدلًا من مواجهة نقطة قوته دائمًا.

لذلك فإن الانسحاب التكتيكي – إن وقع – ليس شهادة وفاة، وخسارة موقع لا تعني انتهاء القدرة على القتال.

فهناك فارق بين الخسارة والهزيمة.

الخسارة واقعة ميدانية؛ أما الهزيمة فتبدأ عندما تتحول الواقعة إلى إرادة مكسورة.

ولهذا لا تُقاس المقاومة فقط بعدد الأمتار التي تسيطر عليها في لحظة محددة، بل بقدرتها على جعل الاحتلال غير آمن، وغير مستقر، وغير قادر على تحويل وجوده إلى أمر طبيعي.

ما بعد علي الطاهر

السؤال الحقيقي إذن ليس فقط: هل سقطت علي الطاهر؟

ذلك سؤال عسكري مشروع. ولكن السؤال الاستراتيجي هو: إذا سقطت التلة، فهل سقطت معها قدرة المقاومة على الاستمرار؟

هنا تكمن المسألة. فالموقع جزء من الحرب، وليس الحرب كلها. والجغرافيا أداة في الصراع وليست معنى الصراع. والاحتلال يستطيع تغيير خطوط الميدان، لكنه لا يستطيع أن يعلن بنفسه نهاية مقاومة خصمه.

فالمنتصر ليس من يقول إن الحرب انتهت؛ بل من يجعل الطرف الآخر عاجزًا عن استئنافها.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن فعله هو الوقوع بين وهمين: إنكار أي خسارة عسكرية، أو اعتبار كل خسارة عسكرية هزيمة استراتيجية.

الأول يمنع فهم الواقع، والثاني يمنح العدو نصرًا أكبر مما حققه.

أما القراءة الأكثر صلابة، فهي أن نرى الأرض كما هي، والخسائر كما هي، وموازين القوة كما هي، ثم نسأل السؤال الذي تخشاه كل قوة احتلال:

ماذا لو أن الذين خسروا التلة لم يخسروا إرادتهم؟

عندها تصبح المسألة مختلفة. فالتلة يمكن أن تسقط، والموقع يمكن أن يتغير، والجغرافيا تتبدل عليها مواقع الجيوش.

أما المقاومة فلا تسقط حين تسقط التلال. تسقط فقط عندما يقتنع أصحابها بأن الاحتلال أصبح قدرًا؛ وحينها فقط يكون العدو قد احتل المكان والإنسان معًا.

0% ...

آخرالاخبار

قاليباف: استهداف ممتلكاتنا سيقابَل باستهداف ممتلكاتكم


بيسكوف: روسيا تعتبر الإنشاءات العسكرية النرويجية على الحدود الروسية تهديدا للأمن القومي وهو ما يدفع موسكو لاتخاذ إجراءات مضادة


المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف: موسكو لا تستبعد استئناف المحادثات بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا لكن من السابق لأوانه مناقشة مكان وتوقيت الاجتماع


إقالات واستقالات وأسماء ثقيلة تغادر .. ما الذي يحدث داخل البنتاغون؟


وزير الخارجية المصري في الدورة 166 لجامعة الدول العربية: نرفض محاولات تقسيم دول المنطقة والتعرض لسيادتها


إصابة بغارة معادية من مسيرة استهدفت سيارة في حي المسلخ بمدينة النبطية


ثلاث غارات جديدة شنتها طائرات الاحتلال على النبطية الفوقا جنوبي لبنان


رئيس بلدية كفررمان جنوبي لبنان: ارتقاء 11 شهيداً وجرح 3 آخرين جراء العدوان الذي استهدف مبنى سكنياً فجر اليوم الاثنين


مقتل 3 إرهابيين واعتقال 9 آخرين خلال إحباط 3 خلايا إرهابية في إيران


القوات المسلحة اليمنية: اسقطنا طائرة استطلاع سعودية ثالثة خلال 24 ساعة


الأكثر مشاهدة

إبتكارات إيرانية تكسر الحصار وتصعد بقوة إلى القمة التكنولوجية


مرتفعات"علي الطاهر"تتحوّل إلى ورقة إسرائيلية لحسم التفاوض


مئة شهيد يخرجون من الركام.. غزّة تودّع عائلاتها المفقودة


مصادر لبنانية: طيران الاحتلال يستهدف بلدة القنطرة جنوب لبنان


إيران تدين العدوان الأمريكي على السفن التجارية في الخليج الفارسي وبحر عمان


البرهان: لا مكان لكل من تسبب في الحرب بالسودان خلال الفترة الانتقالية


تاس عن مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف: مباحثات بوتين مع ويتكوف وكوشنر كانت بناءة وصريحة للغاية


حرس الثورة: استهدفنا بالصواريخ حاملة طائرات ومدمرة أمريكيتين ضايقتا سفنا إيرانية وشاركتا في الحصار


حرس الثورة: السفينتان العسكريتان الأمريكيتان فرتا من منطقة الاشتباك بعد تعرضهما لأضرار


العميد قاآني: قوة حزب الله ستؤدي إلى إزالة الكيان الصهيوني من المنطقة


حرس الثورة: العدو المعتدي اضطر إلى الاعتراف رسميا بأن سفينتين حربيتين تابعتين للبحرية الأميركية تعرضتا للهجوم