عاجل:

أميركا بين التفهّم والإفهام

الأحد ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦
٠٥:٣٩ بتوقيت غرينتش
أميركا بين التفهّم والإفهام بقلم: د. عاطف الموسوي - لبنان

* من يملك حق تعريف المصلحة؟

بين قول السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى إنه يريد أن «يُفهِم البيئة الشيعية» وأن ينقل إليها الرسالة الأميركية، وقول السفارة الأميركية في بيانها إن «الشعب اللبناني» يُبدي بوضوح تفضيله لمؤسسات الدولة اللبنانية على سلاح حزب الله، ثمة مسافة لغوية تستحق التوقف عندها.

في العبارة الأولى، يجري الحديث عن «صالح هذه البيئة»، وعن ضرورة أن يفهم بعض أبنائها مسؤولياتهم. وفي العبارة الثانية، يتسع نطاق الخطاب ليشمل «الشعب اللبناني» كله، بحيث لا تعود السفارة تكتفي بعرض موقف أميركي، بل تتحدث أيضًا عن تفضيل لبناني واضح، وتربطه بتعريف محدد للدولة والسيادة والسلاح والجنوب وقرار الحرب والسلم.

وهنا لا تكمن المسألة في اتهام أحد بالكذب، ولا في افتراض نيات خفية وراء الكلمات، بل في سؤال أبسط وأعمق: متى يتحول الحديث عن مصلحة لبنان من عرضٍ لموقف خارجي إلى تعريفٍ لما يفترض أن يكون مصلحة اللبنانيين؟

فاللغة ليست متساوية في أثرها عندما تصدر عن مواطن عادي أو حزب سياسي أو سفارة دولة عظمى. للموقع الذي يتكلم منه صاحبه وزن رمزي، وللكلمات التي تصدر عن مؤسسة دولية النفوذ قدرة أكبر على تحديد ما يبدو، في المجال العام، طبيعيًا أو بديهيًا أو مشروعًا.

وهنا تبدأ الحكاية.

*أولًا: منبر المجلس الشيعي... خطاب لشريحة محددة

في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، قال السفير الأميركي إنه يريد «إفهام البيئة الشيعية» ونقل الرسالة الأميركية إليها، وإن الأميركيين «لا يريدون إلا صالح هذه البيئة»، وإن جزءًا منها يجب أن يفهم مسؤولياته. وفي الوقت نفسه، قال إن الدولة اللبنانية هي التي تتفاوض باسم لبنان، وإن الولايات المتحدة «وسطاء ليس أكثر».

قد تبدو العبارة الأخيرة، في ظاهرها، تحديدًا لدور الوسيط. لكن السؤال الذي يسبقها: أين ينتهي عرض السياسة الأميركية، وأين يبدأ تعريف ما ينبغي أن تعتبره شريحة لبنانية معينة صالحًا لها؟

لا يثبت هذا الكلام وحده أن الولايات المتحدة تتعامل مع نفسها بوصفها وصية على الطائفة الشيعية أو ممثلة لمصالحها. مثل هذا الاستنتاج يحتاج إلى أدلة أوسع. لكنه يكشف، على الأقل، أن المتحدث لا يكتفي بعرض موقف دولته، بل يستخدم موقعه ليشرح لجماعة لبنانية ما يعتبره صالحًا لها وما يعتبره مسؤوليات مطلوبة منها.

وهذا فارق مهم.

فالدولة الأجنبية تستطيع أن تقول: هذه هي مصلحتي، وهذا ما أريده من لبنان، وهذه هي رؤيتي للأمن والاستقرار. لكنها لا تستطيع، بمجرد إعلانها، أن تحول رؤيتها إلى تعريف لبناني للمصلحة.

*ثانيًا: في بيان السفارة... حين يتكلم الخطاب باسم الشعب كله

إذا كان خطاب المجلس الشيعي قد توجه إلى «البيئة الشيعية»، فإن بيان السفارة الأميركية انتقل إلى مساحة أوسع بكثير.

تقول السفارة: «كل يوم، يُبدي الشعب اللبناني بوضوح تفضيله لمؤسسات الدولة اللبنانية على سلاح حزب الله».

هنا نحن أمام عبارة تستحق تفكيكًا هادئًا.

فالسفارة لا تقول فقط إن الحكومة اللبنانية تتبنى هذا الخيار، ولا تقول فقط إن الولايات المتحدة تؤيده، بل تنسب إلى «الشعب اللبناني» تفضيلًا واضحًا ومستمرًا.

لكن إذا كانت هذه العبارة وصفًا سوسيولوجيًا للرأي العام اللبناني، فإنها تحتاج إلى أدوات قياس سوسيولوجية: استطلاعات رأي، انتخابات، دراسات ميدانية، مؤشرات قابلة للفحص، أو أي معطيات تسمح بالقول إن هذا التفضيل يمثل بالفعل الشعب اللبناني بهذا الوضوح والاستمرارية.

أما إذا كانت العبارة تعبيرًا سياسيًا عن تقدير السفارة لما تراه اتجاهًا عامًا في لبنان، فمن الأفضل أن تبقى في حدود ذلك: هذا تقدير أميركي، وليس بالضرورة حقيقة اجتماعية مكتملة الإثبات.

والفارق بين الأمرين ليس لغويًا فقط.

فعبارة «نحن نؤيد» تنسب الموقف إلى صاحبه.

أما عبارة «الشعب اللبناني يفضّل» فتنسب الموقف إلى مجتمع كامل.

وهنا يتحول السؤال من: ماذا تريد أميركا من لبنان؟ إلى: من أعطاها حق القول إن هذا هو ما يريده اللبنانيون؟

*ثالثًا: بعد قرابة قرن على الانتدابين... ذاكرة لا يجوز أن تُمحى

بعد قرابة قرن على مرحلة الانتدابين الفرنسي والبريطاني في المشرق، لا يمكن للبناني أن يتعامل مع خطاب الخارج وكأن التاريخ بدأ أمس.

ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن السياسة الأميركية الحالية هي «انتداب جديد». مثل هذا الحكم يحتاج إلى قرائن تاريخية وسياسية أوسع بكثير من العبارات التي نناقشها هنا.

لكن الذاكرة السياسية للدول ليست ترفًا.

فقد عرف لبنان والمنطقة زمنًا كانت فيه قوى خارجية تملك قدرة كبيرة على رسم الخرائط، وإعادة ترتيب المؤسسات، وتحديد ما تعتبره مصالح الشعوب، ثم تقديم تلك الترتيبات بوصفها مدخلًا إلى الاستقرار.

ولهذا تبقى القاعدة البسيطة صالحة اليوم كما كانت بالأمس:

الخارج يستطيع أن يعرّف مصلحته في لبنان، لكنه لا يملك حق تعريف مصلحة لبنان.

يمكنه أن يضغط، وأن يتفاوض، وأن يعاقب، وأن يدعم، وأن يعارض، وأن يعرض وساطته، وأن يقول بوضوح ما يريده.

لكن لا ينبغي أن تتحول قدرته على التأثير إلى حق في الكلام باسم اللبنانيين.

*رابعًا: حين تصبح السيادة «هدفًا معلنًا»

تقول السفارة إنها تدعم «هدف الحكومة اللبنانية المعلن» المتمثل في فرض السيادة اللبنانية، بحيث يكون الجيش اللبناني هو الجهة التي تفرضها، وأن تكون قرارات الحرب والسلام حصرًا بيد الدولة.

وهنا يجب التمييز بين أمرين.

الأول أن من حق الدولة اللبنانية أن تعلن أهدافها وأن تحدد رؤيتها للسيادة.

والثاني أن يتقاطع تعريف خارجي للسيادة مع تعريف تتبناه السلطة اللبنانية ويُقدَّم باعتباره المصلحة الوطنية الواجبة.

المشكلة ليست في أن تكون السيادة للدولة. فهذا مبدأ لا خلاف عليه.

المشكلة في مضمون السيادة ومن يحدد عناصرها وترتيب أولوياتها.

فحين تصبح السيادة في الخطاب العام مرادفة بصورة شبه حصرية لحصر السلاح، قد تتراجع أسئلة أخرى لا تقل جوهرية: من يحمي الحدود؟ من يرد الاعتداءات الإسرائيلية؟ من يستعيد الأرض المحتلة؟ من يحمي المواطنين؟ من يملك القدرة الفعلية على منع فرض إرادة الخارج؟ ومن يحدد السياسة الخارجية التي تعبّر عن المصلحة الوطنية؟

هنا يصبح من الضروري أن نسأل: هل نريد سيادة الدولة، أم نريد تعريفًا ضيقًا للسيادة يجري اختزالها في مسألة السلاح؟

*خامسًا: احصروا السيادة أولًا

إذا كان المطلوب دولة ذات سيادة، فإن نقطة البداية لا ينبغي أن تكون محصورة بحصر السلاح، بل حصر السيادة أولًا.

السيادة تعني القرار الوطني، وحماية الحدود، وحماية المواطنين، ورفض الاعتداءات الخارجية، واستعادة الأرض المحتلة، وصون القرار السياسي من الإكراه الخارجي، وتحديد السياسة الخارجية على أساس المصلحة الوطنية.

بعد ذلك تُطرح مسألة السلاح داخل هذا الإطار.

احصروا السيادة أولًا، ثم طالبوا بحصر السلاح. فالسلاح شأن من شؤون السيادة، وليس السيادة حصرًا.

أما أن يصبح السلاح هو السؤال الذي تُقاس به السيادة كلها، فيما تتراجع مسألة الاعتداء الإسرائيلي، أو القدرة على حماية الأرض، أو استقلال القرار الوطني، أو نفوذ القوى الخارجية، فنحن نكون قد قبلنا بسؤال ضيق ليصبح هو المعيار الوحيد للإجابة عن قضية أوسع بكثير.

وهنا بالضبط يمكن أن يقع أسر السؤال: لا لأن السؤال خاطئ في ذاته، بل لأن السؤال يصبح هو الإطار الإلزامي الذي تُقاس داخله كل الأشياء الأخرى.

*سادسًا: السيادة والسلاح... الدولة هي الإطار لا الاختزال

الدولة هي الإطار الأصلي للسيادة، لكن السيادة لا تختزل في احتكار السلاح.

الدولة التي تمارس سيادتها باسم شعبها، وتحمي أرضه ومواطنيه، وتستند في قراراتها إلى إرادته ومؤسساتها، هي الإطار الذي ينبغي أن تُطرح داخله مسألة السلاح.

وعندما تصبح الدولة قادرة على حماية أرضها، وصون حدودها، ومنع الاعتداء عليها، واستعادة ما هو محتل، يصبح النقاش حول حصرية القوة المسلحة نقاشًا مؤسساتيًا داخل الدولة، لا مدخلًا إلى نزع عنصر من عناصر القدرة الوطنية فيما تبقى عناصر أخرى من السيادة موضع ضغط خارجي.

لذلك فإن القول إن الحرب والسلام يجب أن يكونا من اختصاص الدولة لا ينبغي أن يكون نهاية النقاش، بل بدايته.

والسؤال الذي يلي ذلك مباشرة هو: أي دولة؟ وبأي سيادة؟ وبأي قرار؟ وبأي قدرة على حماية الأرض والشعب؟

*سابعًا: الجنوب... من العودة إلى الانتماء

في حديث السفير الأميركي، كان هناك كلام عن عودة الناس إلى قراهم ومنازلهم.

أما بيان السفارة، فذهب إلى صياغة أخرى: «جنوب لبنان لا ينتمي إلى جهات إقليمية أو ميليشيات».

والتعبير يستحق التوقف عنده.

فالانتماء يمكن أن يكون سياسيًا أو تنظيميًا أو عسكريًا أو قانونيًا أو وطنيًا أو دينيًا أو اجتماعيًا. والقول إن الجنوب «لا ينتمي» إلى جهة ما لا يقدم، في حد ذاته، تعريفًا كاملًا لمن يملك الاختصاص القانوني والسياسي عليه.

كما أن تعريف الجنوب بما ليس هو، لا يكفي لتعريف ما ينبغي أن يكون عليه.

واللافت أن الخطاب يضع العامل الداخلي في مركز الصورة: الدولة، الجيش، السلاح، الجهات الإقليمية والميليشيات. في المقابل، لا يحتل الاعتداء الإسرائيلي على الجنوب الموقع نفسه في بناء العبارة.

وهذا لا يثبت نية لإخفاء شيء أو تبرئة طرف، لكنه يكشف تفاوتًا واضحًا في ترتيب عناصر المشهد الخطابي.

كما أن استخدام تعبيرات مثل «جهات إقليمية» و«ميليشيات» يحمل وزنًا رمزيًا مختلفًا عن كلمات مثل «دولة» و«جيش». وهنا تظهر إحدى صور العنف الرمزي: حين تبدو بعض التصنيفات وكأنها محايدة، بينما تكون قد حملت معها مسبقًا أحكامًا عن الشرعية واللاشرعية والقوة المقبولة والقوة المرفوضة.

*ثامنًا: من يعرف لبنان؟

ميشال عيسى ليس غريبًا عن لبنان بالمعنى الاجتماعي والثقافي. فهو لبناني الأصل، من بلدة بسوس في جبل لبنان، ويعرف المجتمع اللبناني وتعقيدات تركيبته السياسية.

وهذه المعرفة قد تمنحه قدرة أكبر على مخاطبة اللبنانيين بلغة مألوفة وقريبة منهم.

لكن معرفة لبنان شيء، والحديث باسم مصلحته شيء آخر.

وفهم المجتمع لا يمنح تلقائيًا حق تعريف ما ينبغي أن تكون عليه مصلحته.

بل إن قرب المتحدث من المجتمع قد يجعل الرؤية الخارجية أكثر قدرة على الدخول إلى المجال المحلي، لأنها لا تأتي بلغة غريبة، بل قد تستخدم مفردات يعرفها اللبنانيون ويستجيبون لها.

وهنا تتضاعف أهمية الموقع الذي يتحدث منه السفير.

فكلام المواطن اللبناني عن مصلحة بلده شيء، وكلام سفير دولة عظمى عن «مصلحة البيئة» أو «تفضيل الشعب اللبناني» شيء آخر.

الأول رأي.

أما الثاني فيحمل وزن مؤسسة دولية كاملة خلفه.

*تاسعًا: استعادة السؤال... من يملك حق القول باسم اللبنانيين؟

إذا جمعنا العبارتين، نلاحظ مسارًا يستحق الانتباه:

أمس كان الحديث عن «صالح هذه البيئة».

واليوم أصبح الحديث عن «الشعب اللبناني يفضّل».

وبين العبارتين توسع نطاق الكلام من جماعة محددة إلى الشعب كله، ثم إلى تعريف الدولة والسيادة والجنوب والسلاح وقرار الحرب والسلام.

هذا لا يثبت أن الولايات المتحدة أعادت تعريف لبنان، ولا يثبت أنها فرضت إرادتها على الدولة اللبنانية.

لكنه يكشف أن الخطاب الأميركي يقدم تصورًا معيّنًا للدولة والسيادة والسلاح والحرب والسلام، ويقدمه في الوقت نفسه بوصفه متصلًا بما يريده اللبنانيون.

وهنا ينبغي استعادة السؤال الذي قد يضيع وسط قوة العبارات:

من يملك حق القول باسم اللبنانيين؟

الدولة الأجنبية تستطيع أن تعرض موقفها.

والحكومة اللبنانية تستطيع أن تعلن سياستها.

والحزب يستطيع أن يدافع عن رؤيته.

والسفير يستطيع أن يتحدث باسم بلده.

لكن لا أحد منهم يستطيع، بمجرد امتلاك الموقع السياسي، أن يحوّل رأيه إلى حقيقة اجتماعية نهائية.

السيادة ليست ما يقال عنها فقط، بل ما ينتجه اللبنانيون من خلال دولتهم ومؤسساتهم ومجالهم السياسي.

وحين تقول السفارة الأميركية: «الشعب اللبناني يفضّل»، يصبح من المشروع أن نسأل عن الأساس الذي يسمح بالانتقال من موقف أميركي إلى وصف تفضيل اجتماعي لبناني.

أما القول: «نحن ندعم الدولة اللبنانية بوصفها الجهة صاحبة القرار»، فهو موقف سياسي أميركي مشروع من حيث المبدأ.

لكن القول: «الشعب اللبناني يريد هذا»، يحتاج إلى معيار مختلف.

والأمر نفسه ينطبق على السلطة اللبنانية.

فالشرعية الدستورية والسياسية تمنح السلطة حق اتخاذ القرار ضمن المؤسسات، لكنها لا تمنحها حصانة من المساءلة حول تعريفها للمصلحة الوطنية، ولا تجعل كل ما تعلنه حقيقة نهائية لا يجوز مناقشتها.

المصلحة الوطنية ليست ملكًا للسفارة، ولا للسلطة، ولا للحزب، ولا للطائفة، ولا للزعيم.

إنها، في الدولة السليمة، نتيجة نقاش وطني مفتوح، تتصارع فيه الرؤى والمصالح، وتُختبر فيه الادعاءات، ويُترك للشعب أن يحاسب ممثليه عليها.

*عاشرًا: حين تصبح «التفضيلات» اختبارًا

إذا كانت السفارة تعرف بهذه الدرجة من الوضوح ما يفضله اللبنانيون، وإذا كان السفير يريد أن «يُفهِم» البيئة الشيعية ما يراه صالحًا لها، فربما يكون من المفيد أن نعكس اتجاه السؤال قليلًا.

ماذا يريد اللبنانيون من الولايات المتحدة؟

هل يريد المودعون اللبنانيون مساعدة دولية جدية في تتبع مسارات أموالهم، وكشف ما يمكن كشفه من حركة الأموال التي خرجت إلى الخارج، والمساعدة في استعادتها حيث تسمح القوانين والأدلة والإجراءات بذلك؟

وهل يريد اللبنانيون، إذا كانت لدى الولايات المتحدة معلومات أو صور أقمار صناعية يمكن تقديمها بصورة قانونية وتقنية، أن تساعد في كشف الحقيقة المتعلقة بانفجار مرفأ بيروت؟

وهل يريد اللبنانيون أن تستخدم واشنطن نفوذها الاستثنائي في النظام المالي الدولي للمساعدة في الوصول إلى الحقيقة بشأن الأموال والمسارات المالية التي تعنيهم؟

إذا كان السفير يريد حقًا أن يفهم اللبنانيين، فهذه أيضًا أصوات لبنانية ينبغي أن تُسمع.

وليست وظيفة السفير أن يختار من أصوات اللبنانيين ما ينسجم مع سياسة إدارته، بل أن ينقل إلى إدارته ما يسمعه منهم، حتى عندما لا يكون ذلك مريحًا لها.

فالسيادة لا تتحصل فقط من المساعدات الخارجية، ولا من البيانات التي تعلن دعم الجيش والدولة.

السيادة تتحصل عندما تعرف السلطة كيف تستثمر شرعيتها في اقتناء مهارة الصيد من الخارج، لا في الاعتماد الدائم على ما يُلقى لها من مساعدات.

لبنان لا يحتاج فقط إلى من يقول له ماذا ينبغي أن يفعل، بل إلى من يساعده على امتلاك الأدوات التي تجعله قادرًا على فعل ما يراه مصلحة له.

*حادي عشر: من «إفهام اللبنانيين» إلى ضرورة فهم لبنان

نحن نعرف، من كلام السفير، ما أراد أن «يُفهِم» البيئة الشيعية.

لكننا لا نملك، في المقابل، بيانًا رسميًا صادرًا عن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى يشرح بالتفصيل ما الذي أراد الجانب اللبناني أن «يُفهِم» ضيفه الأميركي.

والمتاح للرأي العام هو ما نُشر عن اللقاء، وما تسرب أو نقلته وسائل الإعلام، إضافة إلى ما قاله السفير نفسه عن اجتماع استمر، بحسب ما نُقل عنه، أكثر من ساعة.

ولنفرض، جدلًا، أن ما نُشر عن كلام السفير وما نقلته وسائل الإعلام لا يحتاج إلى أكثر من خمس دقائق لقراءته.

فماذا جرى في الدقائق الخمس والخمسين الأخرى؟

لا نعرف.

ومن هنا لا يجوز تحويل الاحتمال إلى حقيقة.

لكن يمكن، في حدود الفرضية القابلة للاختبار والتكذيب، أن نتساءل عمّا إذا كان الحوار قد مرّ على أولئك العمالقة الذين خرجوا من لبنان إلى المهجر، من ميخائيل نعيمة إلى إيليا أبو ماضي إلى جبران خليل جبران، ممن عاشوا في أميركا وحملوا معهم جذورهم العربية واللبنانية ولم يجعلوا نجاحهم في المهجر سببًا لنسيان الأرض التي خرجوا منها.

ولو كان هذا المعنى قد حضر في اللقاء، فإن الدرس لا يكون للبناني وحده.

فالسفير اللبناني الأصل، إذا أراد أن يكون قريبًا حقًا من لبنان، لا يحتاج إلى أن يبحث بعيدًا عن قدوة؛ يكفيه أن يتأمل أولئك الذين حملوا لبنان في ذاكرتهم إلى العالم، ولم يجعلوا نجاحهم في أميركا سببًا لنسيان الأرض التي خرجوا منها.

وقد يكون الحوار، في فرضية أخرى، قد انتقل من الأدب إلى الرموز الدينية والتاريخية، في قراءة رمزية لمعاني الوفاء والسلطة والثمن.

وهنا لا بد من الإشارة إلى يوضاس، لا باعتباره مقارنة تاريخية حرفية، ولا لإصدار حكم ديني على أحد، وإنما بوصفه رمزًا أدبيًا ودينيًا ظل في الذاكرة الإنسانية مرتبطًا بفكرة بيع الأمانة مقابل الثمن.

وفي هذه القراءة الرمزية، يصبح يوضاس صورة لمن يستبدل الوفاء بما اؤتمن عليه بالسعي إلى رضا صاحب القوة، بينما يصبح بيلاطس صورة للسلطة التي لا تتخذ قرارها دائمًا في فراغ، بل قد تعمل تحت ضغط القوى والجماعات والمصالح المحيطة بها.

ومن هنا يمكن، في حدود الاستعارة وحدها، أن يُطرح السؤال على السفير:

أي قدوة تليق بمن جاء ليتحدث عن مصلحة اللبنانيين؟

أهي قدوة أولئك الأدباء المهجريين الذين حملوا جذورهم معهم إلى أميركا، أم قدوة يوضاس، بوصفه رمزًا لمن يبيع أمانته طلبًا للرضا والثمن؟

ولا يحتاج هذا السؤال إلى اتهام السفير بأنه «يوضاس»، فهذا ادعاء شخصي لا يثبته النص ولا المقام.

المقصود هو التحذير من اليوضاسية السياسية: أن يتحول السعي إلى إرضاء القوة الأكبر إلى معيار يحكم الموقف، وأن يصبح رضا صاحب القرار الخارجي أهم من الأمانة تجاه المجتمع الذي يُفترض أن يكون الكلام باسمه.

وفي الإسقاط الرمزي وحده، يمكن أن يُطرح السؤال مرة أخرى:

هل المطلوب من اللبناني أن يسعى إلى رضا «بيلاطس» الأميركي، في وقت يتعرض فيه صاحب القرار الأميركي نفسه لضغوط وإغراءات ومصالح جماعات نافذة؟

وهل يمكن أن تصبح القوى الإسرائيلية، وفي مقدمتها قيادة نتنياهو، جزءًا من هذا المشهد الضاغط على القرار الأميركي، بحيث يتحول بعض الوسطاء المحليين، عن قصد أو عن غير قصد، إلى باحثين عن رضا واشنطن بدل أن يكونوا ناقلين أمينين لمصالح لبنان؟

لا نحتاج هنا إلى إثبات تشابه الأشخاص مع شخصيات الرواية الدينية؛ فالاستعارة لا تقوم على ذلك.

يكفي أن نسأل عن منطق العلاقة:

هل يُستخدم الموقع اللبناني للتأثير في الخارج لمصلحة لبنان، أم يُستخدم القرب من الخارج لإقناع اللبنانيين بما يراه الخارج مصلحة لهم؟

وإذا كان السفير يريد فعلًا أن «يُفهِم» اللبنانيين، فإن أول ما يحتاج إليه هو أن يفهم لبنان، وأن يسمع ما يريد اللبنانيون أن يقولوه له، لا أن ينتقي من أصواتهم ما ينسجم مع السياسة التي يمثلها.

فالمهمة ليست أن يعلّم اللبنانيين كيف يعرّفون مصلحتهم، بل أن ينقل إلى إدارته، بأمانة، ما يسمعه منهم.

وهنا يصبح الفرق واضحًا بين من يحمل وطنه معه إلى المهجر، ومن يحمل المهجر إلى وطنه ثم يطلب من وطنه أن يتكيف معه.

وكأن جبران، ابن بشري، كان قد اختصر شيئًا من هذه المسألة قبل أن تتبدل العواصم والخرائط، حين قال: *«الويل لأمة تأكل مما لا تزرع وتشرب مما لا تعصر»*.

*الخاتمة: من يعرّف مصلحة لبنان؟

المسألة في النهاية ليست خلافًا على مبدأ سيادة الدولة.

لا أحد يحتاج إلى أن يقنع اللبناني بأن الدولة يجب أن تكون صاحبة السيادة.

المسألة هي: من يحدد مضمون هذه السيادة؟

ومن يقرر أن حصر السلاح هو معيارها الأول؟

ومن يقرر أن هذا هو ما يفضله الشعب اللبناني؟

ومن يحدد ترتيب الأولويات بين السلاح والحدود والأرض المحتلة والاعتداءات الإسرائيلية والقرار الوطني والقدرة على حماية المواطنين؟

هنا يصبح «أسر السؤال» أكثر وضوحًا.

حين يتحول السؤال من: كيف نستعيد سيادتنا ونحميها؟ إلى: كيف نحصر السلاح؟ يصبح السؤال الثاني هو الإطار الذي تُقاس داخله كل الإجابات، بينما تتراجع الأسئلة التي يفترض أن تسبقَه.

والسيادة التي ينتجها شعب حر ليست سيادة تُفرض عليه بحجة أنه لا يعرف مصلحته.

واللبنانيون ليسوا ذاكرة سمكة سريعة النسيان.

هم يتذكرون جيدًا كيف جرى عبر عقود بناء صور براقة عن لبنان المالي، وكيف ارتبطت تلك الصور بالسرية المصرفية وبسمعة القطاع المالي، وكيف انتهت البلاد إلى أزمة مصرفية ومالية كبرى، فيما وجد المودعون أنفسهم أمام أموال ضائعة أو عالقة، ومسارات مالية خارج لبنان تستحق التحقيق والتدقيق والمساءلة.

ولهذا فإن من يريد أن يتحدث عن «مصلحة اللبنانيين» يستطيع أن يبدأ من هنا أيضًا.

إذا كانت السفارة والسفير يريدان حقًا مصلحة اللبنانيين، فليساعدوا اللبنانيين في الوصول إلى الحقيقة بشأن أموالهم، وفي كشف المسارات المالية حيث يمكن ذلك، وفي استعادة الحقوق حيث تسمح الأدلة والقوانين.

وإذا كانت لدى الولايات المتحدة معلومات أو صور أو معطيات يمكن أن تساعد في كشف الحقيقة المتعلقة بانفجار مرفأ بيروت، فلتضع ما يمكن وضعه في متناول التحقيق اللبناني، وفق الأصول القانونية والتقنية.

هذه أيضًا مصلحة لبنانية.

بل ربما تكون اختبارًا أكثر صدقًا لمعنى «مصلحة اللبنانيين» من البيانات السياسية التي تخبر اللبنانيين يوميًا بما ينبغي أن يفضلوه.

فالسيادة تتحصل عندما تعرف السلطة كيف تستثمر شرعيتها، وكيف تتعلم من الخارج بدل أن تعتمد عليه، وكيف تقتنص منه مهارة الصيد بدل أن تكتفي بطلب السمك.

وفي النهاية، يمكن لأميركا أن تعرّف مصلحتها في لبنان كما تشاء.

ويمكن لسفيرها أن يشرح للبنانيين ما تراه إدارته مناسبًا.

لكن لبنان لا يحتاج إلى سفير يعرّف له مصلحته.

إنه يحتاج إلى سفراء يسمعون مصلحته وينقلونها إلى عواصمهم.

وهنا يعود السؤال إلى عنوان المقال:

*بيلاطس أم جبران؟*

ليس المطلوب أن يكون السفير لبنانيًا أكثر من اللبنانيين، ولا أن يتخلى عن تمثيل دولته.

المطلوب فقط ألا تختلط وظيفة تمثيل أميركا بوظيفة تعريف لبنان.

فمن يحمل وطنه إلى العالم، لا يحتاج إلى أن يطلب من وطنه أن يصبح نسخة من العالم.

ومن يريد أن يُفهِم لبنان، عليه أولًا أن يفهم لبنان.

*احصروا السيادة أولًا، ثم طالبوا بحصر السلاح. فالسلاح شأن من شؤون السيادة، وليس السيادة حصرًا.*

0% ...

آخرالاخبار

الرئيس الصيني شي جين بينغ في قمة "بريكس بلاس": على دول الجنوب العالمي التكاتف للدفاع عن سيادة القانون الدولي


الاعلام العبري عن رئيس الصناعات الجوية الإسرائيلية: اتصالات تجري مع دول في الخليج الفارسي لبيعها الأنظمة الدفاعية الإسرائيلية


أزمة أمريكية قادمة قد تكون أسوأ من كارثة 2008


الرئيس الايراني مسعود بزشكيان في قمة "بريكس بلاس": لا استدامة للاقتصاد دون أمن، وعلى "بريكس" أن تلعب دوراً أكثر فاعلية في الدفاع عن السيادة الوطنية، والوحدة الترابية، وحظر استخدام القوة


الرئيس الايراني مسعود بزشكيان في قمة "بريكس بلاس": "بريكس" تعكس طلباً متزايداً لعالم أكثر توازناً وشمولية، لا يحق فيه لأي مركز قوة تحديد مصير الآخرين


أميركا بين التفهّم والإفهام


ماليزيا: لا معنى لمفاوضات دون معالجة العدوان الصهيوأميركي علی ایران


شهيد و3 جرحى بمقذوف مجهول أصاب سفينة تجارية ايرانية بمضيق هرمز


وزير الخارجية عباس عراقتشي يلتقى نظيره المصري بدر عبد العاطي على هامش قمة "بريكس" في الهند


مدفعية الاحتلال تقصف المنصوري وزوطر الشرقية في جنوب لبنان


الأكثر مشاهدة

بقائي: السعودية واليابان تتحملان تبعات موقفهما


مدفعية الاحتلال تستهدف أطراف بلدة زوطر الشرقية ووادي زبقين جنوب لبنان


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تعتقل 6 مواطنين وتعيث خرابا بداخل منزل خلال اقتحام مخيم العروب شمال الخليل بالضفة المحتلة


الهلال الأحمر الفلسطيني: جريح برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال اقتحامها مدينة البيرة بالضفة الغربية المحتلة


قوات الاحتلال تقتحم مدينة الظاهرية جنوب الخليل بالضفة الغربية


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قفين شمال طولكرم شمالي الضفة الغربية


الدفاع المدني السعودي يطلق إنذارا مبكرا في مدينة خميس مشيط تحسبا لخطر محتمل


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف بلدة النبطية الفوقا في جنوب لبنان


سوريا.. دورية تابعة للاحتلال الإسرائيلي مؤلفة من 4 آليات عسكرية تتوغل في بلدة الرفيد بريف القنيطرة الجنوبي وتقوم بتفتيش المنازل


مندوب إيران: قرار مجلس المحافظين لن يكون له أثر حقيقي


قوات الاحتلال تقتحم مدينة أريحا من مدخلها الشمالي