عاجل:

الإمارات في مرمى الغضب الجزائري.. من صناعة النفوذ إلى صناعة الأزمات

الثلاثاء ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦
٠٧:٢٣ بتوقيت غرينتش
الإمارات في مرمى الغضب الجزائري.. من صناعة النفوذ إلى صناعة الأزمات بقلم: حيدر زيبرم

لم يعد الخلاف بين الجزائر والإمارات مجرد تباين في المواقف السياسية، بل بات يعكس صراعا أوسع حول النفوذ في شمال إفريقيا والساحل، وحول طبيعة الدور الذي تريد أبوظبي أن تؤديه في منطقة تتداخل فيها الحسابات الأمنية والجيوسياسية والاقتصادية.

فالجزائر، التي تنظر إلى محيطها المغاربي والساحل باعتباره امتدادا مباشرا لأمنها القومي، تجد نفسها أمام سياسة إماراتية تبدو، من وجهة نظرها، أكثر اندفاعا نحو بناء النفوذ والتحالفات، حتى عندما تتقاطع هذه التحركات مع ملفات تعتبرها الجزائر خطوطاً حمراء.

الصحراء الغربية.. نقطة الاصطدام الأولى

في قلب التوتر يأتي ملف الصحراء الغربية، فالجزائر تتمسك بحق تقرير المصير وتدعم جبهة البوليساريو، بينما اتخذت الإمارات موقفا داعما للمغرب في هذا الملف، وافتتحت قنصلية في مدينة العيون عام 2020. ومن المنظور الجزائري، لا يتعلق الأمر بمجرد موقف دبلوماسي إماراتي من نزاع إقليمي، بل بمحاولة لتغيير موازين القوى في قضية ترتبط مباشرة بالأمن القومي الجزائري.

وهنا يظهر السؤال: لماذا اختارت أبوظبي الانخراط بهذه القوة في ملف مغاربي شديد الحساسية، بدلا من الحفاظ على مسافة تسمح لها بلعب دور أكثر توازناً؟

إن سياسة الاصطفاف قد تمنح الإمارات حلفاء على المدى القصير، لكنها في المقابل قد تخسرها القدرة على لعب دور الوسيط أو الشريك المقبول لدى الأطراف المختلفة.

المغرب و"إسرائيل".. تحالفات تتجاوز حدود المنطقة

تزداد حساسية الجزائر تجاه السياسة الإماراتية بسبب العلاقة الوثيقة التي بنتها أبوظبي مع كيان "إسرائيل" منذ توقيع اتفاق التطبيع عام 2020. فالجزائر، التي تتخذ موقفا شديد الرفض للتطبيع، تنظر بعين الريبة إلى التعاون الأمني والتكنولوجي بين كيان "إسرائيل" والمغرب، خصوصا في ظل التوتر المزمن بين الجزائر والرباط.

ومن هنا فإن التقارب الإماراتي ـ "الإسرائيلي" ـ المغربي لا يُقرأ في الجزائر باعتباره مجرد علاقات اقتصادية أو دبلوماسية، بل باعتباره تشكلا لتحالفات جديدة بالقرب من حدودها الاستراتيجية.

وهنا تكمن إحدى أكبر مشكلات السياسة الإماراتية: عندما تتحول الشراكات الاقتصادية والأمنية إلى أدوات لإعادة تشكيل موازين القوى، فإنها تصبح مصدر قلق للدول التي تشعر بأنها مستهدفة بهذه التحولات.

الساحل الإفريقي.. نفوذ الإمارات يلامس منطقة النفوذ الجزائري

الساحل هو الملف الأكثر تعقيدا. فالجزائر تعتبر مالي والنيجر ومنطقة الساحل عموما عمقا استراتيجيا لأمنها القومي، ولها تاريخ طويل من الوساطة والاتصالات مع أطراف النزاعات في المنطقة.

وفي المقابل، وسعت الإمارات حضورها وعلاقاتها في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت لاعبا اقتصاديا وسياسيا أكثر نشاطا في القارة.

المشكلة لا تكمن في أن دولة عربية تريد توسيع علاقاتها الإفريقية؛ فهذا حق طبيعي لأي دولة. لكن الإشكالية تبدأ عندما يتقاطع هذا التوسع مع مجالات نفوذ أمنية تعتبرها دول أخرى جزءا من أمنها القومي.

وفي حالة الجزائر، يبدو أن هذا التقاطع كان أحد أسباب اتساع دائرة الشكوك تجاه أبوظبي.

النيجر.. الغاز والممرات الاستراتيجية

يكتسب النيجر أهمية إضافية بسبب موقعه الاستراتيجي وموارده الطبيعية وممراته المحتملة للطاقة. فالجزائر تسعى إلى تعزيز موقعها كممر للطاقة نحو أوروبا، في وقت تتنافس فيه مشاريع إقليمية مختلفة على إعادة رسم خريطة الطاقة في غرب إفريقيا وشمالها.

وهنا يصبح الاقتصاد جزءا من الجغرافيا السياسية. فالغاز ليس مجرد سلعة، خطوط الأنابيب تعني نفوذا، والممرات تعني أوراقا استراتيجية، والاستثمار في البنية التحتية قد يتحول إلى أداة لتعزيز الحضور السياسي. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم حساسية الجزائر تجاه أي تحرك إماراتي أو مغربي في المجال الذي تعتبره امتدادا لمصالحها الاستراتيجية.

ليبيا والسودان.. خلاف آخر على مفهوم الاستقرار

لا يتوقف التباين عند المغرب والساحل. في ليبيا، تبنت الجزائر منذ سنوات خطابا يركز على الحل السياسي ورفض التدخلات العسكرية، بينما ارتبط اسم الإمارات بدعم خليفة حفتر خلال مراحل رئيسية من الصراع الليبي.

أما السودان، فقد أصبح بدوره أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في العلاقات الإقليمية، مع اتهامات للإمارات بدعم قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي. وهنا تظهر المفارقة: الجزائر تميل إلى رؤية أمنية تقوم على وحدة الدولة ورفض تفكيكها عبر الصراع المسلح، بينما ارتبطت السياسة الإماراتية في عدد من أزمات المنطقة بعلاقات قوية مع قوى محلية مسلحة أو أطراف تمتلك نفوذا ميدانيا.

وبغض النظر عن الموقف من كل طرف، فإن هذه المقاربة تطرح سؤالا مشروعا حول نتائج سياسة دعم القوى المحلية في الدول الهشة: هل تسهم فعلا في تحقيق الاستقرار، أم أنها تؤدي إلى إطالة الصراع وإعادة توزيع النفوذ؟

حين ينتقل الخلاف إلى الداخل

الأكثر خطورة في التوتر الجزائري ـ الإماراتي هو انتقاله من التنافس الإقليمي إلى تبادل الاتهامات بشأن الشأن الداخلي. فقد ظهرت في الإعلام الجزائري اتهامات لأبوظبي بالتدخل في قضايا ذات حساسية هوياتية، بينها القضية الأمازيغية، وبالتعاطف أو الدعم لحركة «ماك»، التي تصنفها السلطات الجزائرية منظمة إرهابية.

لكن هذه الاتهامات ينبغي التعامل معها بحذر، إذ إن الادعاء السياسي لا يصبح حقيقة لمجرد تكراره إعلاميا، ويحتاج إثباته إلى أدلة مستقلة وموثوقة. ومع ذلك، فإن مجرد وصول العلاقات إلى مرحلة تتبادل فيها العاصمتان اتهامات بالتدخل في الشؤون الداخلية يكشف حجم الانهيار في الثقة السياسية.

المشكلة في السياسة الإماراتية: اتساع الدور أم تضخم الطموح؟

السؤال الأوسع الذي يفرض نفسه هو: ماذا تريد الإمارات تحديدا من كل هذا الانتشار؟

خلال السنوات الماضية، تحولت أبوظبي من دولة ذات نفوذ في المنقطة إلى لاعب حاضر في ملفات تمتد من القرن الإفريقي إلى شمال إفريقيا والبحر الأحمر والساحل. الاستثمارات الإماراتية ضخمة، والشراكات الاقتصادية واسعة، والقدرة الدبلوماسية متقدمة. لكن النفوذ لا يُقاس فقط بعدد الاتفاقيات والاستثمارات.

النفوذ الحقيقي هو القدرة على بناء شراكات من دون تحويل الآخرين إلى خصوم. وهنا يمكن توجيه النقد الأساسي إلى السياسة الإماراتية: الإفراط في استخدام أدوات القوة الاقتصادية والسياسية والأمنية قد يحقق مكاسب سريعة، لكنه في المقابل ينتج بيئة إقليمية أكثر تشككاً في النوايا الإماراتية. الدولة التي تريد أن تكون قوة إقليمية مؤثرة تحتاج إلى شركاء، لا إلى قائمة متزايدة من الخصوم.

الجزائر ليست دولة يمكن تجاوزها، قد تكون الإمارات قادرة على بناء شراكات قوية مع المغرب، وكيان "إسرائيل"، وقوى سياسية مختلفة في إفريقيا والشرق الأوسط، لكن ذلك لا يعني أن الجزائر يمكن إخراجها من معادلات المنطقة.

فالجزائر دولة كبيرة في شمال إفريقيا، وتمتلك حدودا واسعة مع دول الساحل، ولها ثقل عسكري ودبلوماسي، كما تتمتع بموقع مهم في سوق الطاقة الأوروبية. ولهذا فإن محاولة إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة من دون مراعاة المصالح الجزائرية قد تؤدي إلى نتيجة عكسية: بدلا من توسيع النفوذ الإماراتي، قد تدفع الجزائر إلى بناء اصطفافات مضادة له.

الخلاصة: النفوذ بلا توازن قد يتحول إلى عبء

الخلاف الجزائري ـ الإماراتي يكشف مشكلة أوسع في السياسة الإقليمية العربية: غياب التوازن بين الطموح المشروع للدول في حماية مصالحها وبين احترام حساسيات الدول الأخرى. الإمارات نجحت خلال السنوات الماضية في بناء شبكة واسعة من العلاقات والاستثمارات والنفوذ، لكن اتساع هذه الشبكة يفرض عليها مسؤولية أكبر في إدارة علاقاتها مع القوى الإقليمية.

فليس كل خلاف يمكن حسمه بالاستثمار، وليس كل أزمة يمكن إدارتها عبر التحالفات، وليس كل فراغ إقليمي ينبغي أن تتحول إليه دولة واحدة.

وفي النهاية، قد يكون الدرس الأهم من الأزمة الجزائرية ـ الإماراتية هو أن القوة عندما تتحرك بلا توازن، يمكن أن تتحول من مصدر نفوذ إلى مصدر عزلة. فالجزائر قد تخسر شريكا، والإمارات قد تخسر شريكا أيضا، لكن الخاسر الأكبر هو المنطقة عندما تتحول المنافسة بين الدول العربية إلى صراع على النفوذ بدلا من أن تكون تعاونا لحماية مصالحها المشتركة.

0% ...

آخرالاخبار

مدفعية الاحتلال تستهدف مناطق شرق دير البلح وسط قطاع غزّة


هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية: بلاغ عن تعرض سفينة لضربة بمقذوف مجهول في مضيق هرمز


قصف مدفعي صهيوني مكثف وإطلاق نار من آليات الاحتلال شمال شرقي مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة


قاليباف: كلما أخفق العدو في مواجهة إيران، كان السبب الرئيس هو مقاومة الشعب


قاليباف: استمرار هذا الحضور الحماسي للشعب هو الذي أحبط مخططات التفريق وإضعاف إيران العزيزة


قاليباف: ما يجري في المجال الدبلوماسي، بالاستناد إلى العزة والمصالح الوطنية، يستمد دعمه من هذا الحضور الشعبي


قاليباف مخاطبا الشعب الإيراني: شجرة القوة الدفاعية الإيرانية التي تصمد في ميدان المعركة، تضرب جذورها في إيمانكم وإرادتكم


قاليباف: لكن في الليلة المئتين من الحضور الشعبي الحاشد في الشوارع، اتضح أن ما انهار هو وهم المهاجم، وليس إرادة الإيرانيين


رئيس البرلمان الإيراني قاليباف بمناسبة مرور 200 ليلة على حضور الشعب في الساحات: كان العدو يعتقد أن بإمكانه كسر إرادتنا عبر الهجوم العسكري


شهادات 24 من جنود 8200 تحرج كيان الاحتلال.. تحرك جديد ضد فيلم «نازا»


الأكثر مشاهدة

شاهد النبطية تستعيد حياتها وسوقها الشعبي رغم الدمار والحصار


ماكينات الخياطة تمنح نساء غزة فرصة لمواجهة الحصار


إقتحامات الأقصى تتصاعد والإحتلال يكرّس واقعاً تهويدياً جديداً


وزير الدفاع الإيراني بالوكالة العميد مجيد إبن الرضا: إيران اليوم أقوى وأكثر وحدة من أي وقت مضى وما يُعرض ليس سوى جزء صغير من القدرات والإمكانيات الحقيقية في الصناعات الدفاعية للبلاد


قصف مدفعي سعودي يستهدف مديريتي الظاهِر وغمر الحدوديتين غربي محافظة صعدة شمال اليمن


تأجيل اجتماع وزراء خارجية ايران ودول الخليج الفارسي


اليمن: السعودية شنت 58 غارة على 6 محافظات يمنية خلال 24 ساعة


مصادر سورية: دورية تابعة للاحتلال الإسرائيلي تتوغل في قرية صيدا الحانوت بريف القنيطرة الجنوبي وتقوم بتفتيش منازل


خام برنت يقفز إلى 108 دولارًا للبرميل الواحد


ترامب يغادر ایرلندا بعد زيارة قوبلت برفض شعبي لسياسته الخارجية


مصادر سورية: ما لا يقل عن 20 انتهاكا لقوات العدو الإسرائيلي في القنيطرة ودرعا وريف دمشق خلال الـ24 ساعة الماضية