فمن دون القدرة على رؤية التفاصيل الدقيقة، يصبح اتخاذ القرارات أمراً بالغ الصعوبة. لكن امتلاك عين تراقب من ارتفاعات شاهقة وتكشف أصغر التغيرات على سطح الأرض كان حتى سنوات قليلة مضت أقرب إلى الخيال، قبل أن يتحول اليوم إلى واقع ملموس.
وقد بدأ هذا التحول مع إطلاق القمر الصناعي «خيام» في 9 أغسطس/آب 2022. ولا تقتصر الصور التي يلتقطها «خيام» على الأبيض والأسود، إذ يضم نطاقات تصوير بالألوان الأزرق والأخضر والأحمر إضافة إلى نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة، ما يمنحه تطبيقات واسعة، ولا سيما في القطاع الزراعي.
وكان الهدف الرئيس من إطلاق هذا القمر تطوير الخدمات القائمة على البيانات والصور الفضائية. وبعد «خيام»، أُطلق القمر الصناعي «بايا» في يناير/كانون الثاني 2026 لمواصلة مهمة الاستشعار عن بُعد.
وتبلغ دقة صور «بايا» نحو خمسة أمتار، مع إمكانية تحسينها إلى 2.5 متر عبر عمليات المعالجة المتخصصة. وتتيح البيانات المستخرجة من هذه الصور تحقيق وفورات كبيرة، إذ يمكن معالجتها وتحويلها إلى صور أعلى وضوحاً لاستخدامها في السجل العقاري الحضري، وتحديد الملكيات، والتخطيط العمراني.
غير أن الميزة الأبرز لهذين القمرين تكمن في مستوى الدقة الذي يوفرانه. فالقمر «خيام» يتمتع بدقة تقارب متراً واحداً، ما يضعه ضمن فئة الأقمار الصناعية المستخدمة على نطاق واسع عالمياً في مجالات رسم الخرائط والمسح الجغرافي.
وتساعد هذه الصور في تحديد الأراضي والحدود العقارية بدقة أكبر، وهي عناصر تحظى بأهمية كبيرة في مشاريع السجل العقاري، الأمر الذي يجعل عمليات إعداد الخرائط واستخراج البيانات الجغرافية أكثر سهولة وكفاءة.
وتشكل البيانات التي يوفرها القمران القلب النابض لمشروع «جي نف» (GNAF)، الذي يمثل جسراً بين الصورة واتخاذ القرار، ويمكن أن يسهم في دعم المؤسسات الحكومية ومشاريع التنمية الوطنية.
وفي المناطق الريفية، حيث تنتشر القرى على مساحات واسعة ويصعب الوصول إلى بعضها بسبب وعورة الطرق، تُعد التكنولوجيا الفضائية الحل الأمثل لإعداد الخرائط والتصوير الجغرافي. ولهذا يشهد مشروع «جي نف» تعاوناً واسعاً ومثمراً في مجال تطوير الخدمات الخاصة بالقرى والمناطق النائية.
وأصبح توسيع التطبيقات العملية ورفع دقة التصوير الفضائي من مسافات شاسعة أولوية لدى منظمة الفضاء الإيرانية، انطلاقاً من قناعة بأن مستقبل التنمية يعتمد على صور أكثر دقة وقدرة أكبر على قراءة تفاصيل الأرض من الفضاء.