عاجل:

من «كش مات» إلى «إيران بلا قيود»

الحلقة الأولى: «كش مات» ... حين اكتشفت القوة الأميركية حدودها

الجمعة ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦
٠٩:١٣ بتوقيت غرينتش
الحلقة الأولى: «كش مات» ... حين اكتشفت القوة الأميركية حدودها بقلم: د. أكرم شمص

ليست المفارقة في أن يكتب روبرت كاغان أن إيران خرجت من الحرب قوةً مهيمنة في الشرق الأوسط. المفارقة الحقيقية هي أن يكون روبرت كاغان نفسه هو من يكتب ذلك.

فالرجل ليس صحافيًا يبحث عن عنوان مثير، ولا مفكرًا ينتمي إلى المدرسة المناهضة للهيمنة الأميركية. إنه واحد من أبرز منظّري القوة الأميركية، ومن الأسماء المرتبطة تاريخيًا بفكرة أن النظام الدولي يستقر حين تكون الولايات المتحدة قوية، حاضرة، وقادرة على تحويل تفوقها العسكري إلى إرادة سياسية.

ولهذا، عندما ينتقل كاغان خلال أشهر قليلة من Checkmate in Iran في أيار/مايو، إلى الحديث عن خسارة الحرب وتراجع الثقة بالمظلة الأميركية، وصولًا إلى Iran Unleashed في آب/أغسطس، فإننا لا نقرأ ثلاث مقالات منفصلة بقدر ما نقرأ سيرة انهيار فرضية استراتيجية كاملة.

فرضية تقول إن القوة العسكرية القصوى تنتج بالضرورة خضوعًا سياسيًا.

إيران، في قراءة كاغان نفسه، فعلت شيئًا أخطر من أن تنتصر في معركة:

أجبرت القوة الأميركية على اكتشاف حدودها.

1-كش مات»: عندما لا تعني الهزيمة خسارة الحرب بل خسارة القدرة على إصلاح نتائجها

في 10 أيار/مايو 2026، اختار كاغان عنوانًا لا يحتمل الكثير من التأويل:

Checkmate in Iran كش مات في إيران.

وكان العنوان الفرعي أكثر وضوحًا: واشنطن لم تعد قادرة على عكس نتائج خسارة الحرب أو السيطرة عليها.

ينطلق كاغان من مقارنة تاريخية لافتة. الولايات المتحدة هُزمت في فيتنام، وانسحبت من أفغانستان، وتعثر مشروعها في العراق، لكنها في كل هذه الحالات استطاعت أن تحصر الهزيمة في مكانها وزمانها؛ فلم يتحول الفشل إلى انهيار شامل لموقعها في النظام الدولي.

أما إيران، بحسبه، فشيء مختلف.

لأن الخسارة هنا تقع في منطقة ليست هامشية بالنسبة إلى بنية القوة العالمية، بل في قلب منظومة الطاقة والاقتصاد والجغرافيا الاستراتيجية: الخليج ومضيق هرمز.

ومن هنا يكتب كاغان أن الوضع السابق لن يعود، وأن إيران مع احتفاظها بالقدرة على التحكم بالمضيق تتحول إلى لاعب رئيسي إقليميًا ودوليًا، بينما يتراجع الدور الأميركي.

وهنا تبدأ المسألة الفلسفية. فالهزيمة ليست دائمًا أن تخسر جيشك.

وقد لا تكون أن تحتل عاصمتك.

الهزيمة الاستراتيجية تبدأ عندما تفقد القدرة على إعادة الواقع إلى النقطة التي كان عليها قبل الحرب.

وهذا فارق جوهري بين هزيمة عسكرية وهزيمة في إنتاج النظام.

الدولة العظمى ليست عظمى لأنها تستطيع تدمير خصومها فقط؛ بل لأنها تستطيع، بعد استخدام القوة، أن تفرض شكل اليوم التالي.

فإذا استطاعت أن تقصف ولم تستطع أن تحدد ما يأتي بعد القصف، فإن جزءًا من قوتها يتحول إلى قوة بلا وظيفة سياسية.

وهنا تكمن أولى أفكار كاغان الكبرى:

أميركا لم تخسر لأنها لم تستطع أن تضرب إيران؛ بل لأنها ضربتها ولم تستطع أن تجعل الضرب ينتج النظام الذي أرادته.

2- عندما تصبح النجاة شكلًا من أشكال الانتصار

في الحروب غير المتكافئة، يرتكب المحللون خطأً متكررًا حين يقيسون انتصار الطرف الأضعف بالمعيار نفسه الذي يقيسون به انتصار القوة العظمى.

إيران لم تكن مطالبة، لكي تنتصر استراتيجيًا، بأن تصل طائراتها إلى واشنطن، ولا بأن تدمر الأسطول الأميركي، ولا بأن تحقق تفوقًا عسكريًا تقليديًا على الولايات المتحدة.

كان المطلوب منها شيء أقل عسكريًا، لكنه أكثر أهمية سياسيًا:

أن تبقى.

وهذه واحدة من المفارقات الكبرى في فلسفة القوة.

كلما كان الهدف الذي يعلنه الطرف الأقوى أكبر، انخفض سقف الانتصار المطلوب من الطرف الأضعف.

إذا كان هدفك إسقاط خصمك، يكفيه أن يبقى كي يحرمك النصر.

إذا كان هدفك إخضاعه، يكفيه ألا يخضع.

وإذا كان هدفك انتزاع التنازل منه، فإن مجرد خروجه من الحرب دون تقديم ذلك التنازل يحول تفوقك العسكري إلى سؤال سياسي محرج.

لهذا تكتسب عبارة كاغان في مقابلته الأخيرة على CNN معناها الحقيقي. فهو وصف ما جرى بأنه:

“probably the greatest strategic defeat the United States has suffered since World War II.”

أي ربما أكبر هزيمة استراتيجية تعرضت لها الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية.

ليست المسألة، إذن، عدد الصواريخ ولا عدد الطائرات.

إنها المسافة بين ما تستطيع القوة تدميره وما تستطيع السياسة إخضاعه.

3-اللحظة التي انقلب فيها ميزان الخوف

ثمة تحول أكثر عمقًا يظهر تدريجيًا في مقالات كاغان.

لعقود، كانت معادلة الردع تقوم على سؤال إيراني:

ماذا ستفعل أميركا إذا تجاوزنا الخط؟

وجود هذا السؤال في ذهن الخصم كان جزءًا من القوة الأميركية نفسها.

لم تكن واشنطن مضطرة في كل مرة إلى استخدام القوة؛ كان يكفي أن يبقى احتمال استخدامها غير قابل للاختبار. ولكن الحرب أزالت الغموض.

لقد وقع الاختبار. يقول كاغان إن إيران تعرضت بالفعل لهجوم كان يفترض أن يكون مدمرًا، ومع ذلك بقي النظام، واستمرت الدولة، ولم تحصل واشنطن على التنازلات التي أرادتها. ثم ظهرت مشكلة مخزونات الذخائر والصواريخ الاعتراضية الأميركية، وتزايدت كلفة الاستمرار.

هنا انقلب السؤال.

لم يعد: إلى أي مدى تخشى إيران أن تصعّد أميركا؟

بل أصبح: إلى أي مدى تستطيع أميركا أن تتحمل تصعيد إيران؟

وهذا التحول ربما يكون أهم من نتائج عشرات المعارك. لأن الردع في جوهره ليس امتلاك السلاح.

فالردع هو إدارة الخوف. ومن ينجح في نقل الخوف من عاصمته إلى غرفة قرار خصمه يكون قد غيّر ميزان القوة حتى لو بقي الخصم متفوقًا عليه عسكريًا.

يصل كاغان في Iran Unleashed إلى استنتاج بالغ الدلالة: السلوك الأميركي أظهر، في رأيه، أن واشنطن تخشى سلم التصعيد أكثر مما تخشاه طهران. وهذه ليست جملة عابرة.

لأن الدولة التي يخشى خصمها التصعيد أكثر منها تمتلك شيئًا لا يظهر في جداول التسلح: هو هامش الإرادة.

كش مات» ليست نهاية اللعبة

من هنا نفهم لماذا اختار كاغان استعارة الشطرنج. ففي الشطرنج، لا يعني «كش مات» أن كل قطع الخصم دُمّرت. قد تكون قطعه لا تزال على الرقعة. وقد يكون لديه وزير وقلعتان وحصانان. ولكن المشكلة أنه لم يعد يمتلك نقلة تعيد له حرية اللعبة. وهذا تقريبًا ما كان كاغان يحاول قوله عن الولايات المتحدة. أي إنها لا تزال القوة العسكرية الأكبر. وقواعدها موجودة. وأساطيلها موجودة. واقتصادها موجود.

ولكن السؤال أصبح: هل تستطيع استخدام كل ذلك لإعادة المنطقة إلى ما كانت عليه قبل الحرب؟

إذا كانت الإجابة لا، فإن شيئًا عميقًا قد تغير. لأن الدولة العظمى ليست عظمى فقط لأنها تستطيع تدمير خصومها. إنها عظمى لأنها تستطيع إنتاج النظام بعد استخدام القوة.

فإذا استطاعت أن تقصف ولم تستطع أن تحدد شكل اليوم التالي، تصبح أمام مشكلة أخطر من خسارة معركة. تصبح أمام أزمة في وظيفة القوة نفسها.

لكن «كش مات» كانت البداية فقط

بعد أيام وأسابيع، بدأ كاغان يكتشف أن المسألة لم تتوقف عند إيران.

لأن كل حرب كبرى في الشرق الأوسط لها جمهور آخر يراقبها بصمت.

والعواصم الخليجية. وهذه الدول لم تكن تسأل فقط: من انتصر؟ بل كانت تسأل سؤالًا أكثر وجودية:

إذا كانت الولايات المتحدة لم تستطع أن تمنع إيران من الوصول إلى هذه النتيجة، فماذا تعني المظلة الأميركية بعد اليوم؟ وهنا بدأت القصة تنتقل من الحرب بين واشنطن وطهران إلى شيء أخطر: الثقة بالنظام الإقليمي الذي بنته واشنطن طوال عقود. وهذا سيكون موضوع الحلقة الثانية:

حين تصبح المظلة الأميركية سؤالًا: لماذا بدأ الخليج يعيد حساباته؟

0% ...

آخرالاخبار

إيران: وزارة الخارجية: تواصل الحكومة الأميركية سياساتها العدائية وغير القانونية ضد إيران


الحلقة الأولى: «كش مات» ... حين اكتشفت القوة الأميركية حدودها


الخارجية الإيرانية: عملية الإقصاء الاقتصادي جريمة دولية ضد الإنسانية


الخارجية الإيرانية: إيران تحث الدول على الامتناع عن تطبيق العقوبات الأمريكية


إسماعيل كوثري: الولايات المتحدة لا تتمتع حتى بوجود في بحر عُمان، فضلًا عن الخليج الفارسي؛ والمنطقة بأكملها تقع في مرمى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية


شاهد.. الاحتلال يشن حملة اقتحامات واعتقالات في الضفة


قاليباف: أمن مضيق هرمز في عدم وجود القوات الأمريكية. وأكدنا مرارا لن يعود الوضع في المضيق كما كان قبل الحرب


قاليباف: إذا لم يتم ضمان أمننا، فلن تكون أي بنية تحتية آمنة


رئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف يرد على قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) بإعادة نشر تغريدته الصادرة في 22 تموز/يوليو: "في منطقة لا نبيع فيها نفطنا، لن يبيع أحد نفطه"


سفير إيران لدى بريطانيا يدعو لإدانة الإرهاب الاقتصادي الأمريكي