بقلم: الدكتور عدنان منصور.. وزير الخارجية والمغتربين اللبناني الأسبق
الحرب التي تتصاعد وتستعر، حرب استنزاف شرسة من قبل الطرفين، ما يجعل روسيا على المحكّ، وأمام وضع معقد يحتّم عليها استخدام سلاح مدمّر غير تقليديّ لحسم الصراع، ووضع أوكرانيا وداعميها من دول الحلف الأطلسي (الناتو) أمام الأمر الواقع ـ ولا أعني هنا استخدام موسكو للسلاح النووي.
ترامب يخوض معركته على جبهتين: جبهة أوكرانيا وجبهة إيران ومضيقها هرمز، بعد أن حسم الأمر في فنزويلا وخطف رئيسها، ووضع يده على نفطها، غير عابئ بالقوانين الدولية وبمبادئ الأمم المتحدة.
أوكرانيا وإيران هدف ترامب الاستراتيجي للقبض عليهما، نظراً لأهمية، ودور، وتأثير روسيا في أوروبا، ودور وأهمية إيران وتأثيرها ونفوذها في غربي آسيا.
بعد دخول الحرب الأوكرانية عامها السادس، إلى أيّ حدّ يمكن أن يصل إليه الطرفان الروسي والأوكراني قبل أن يصبح ثمن الاستمرار في الحرب أكبر من ثمن التسوية، طالما أنه حتى اليوم، لا تبدو الحرب قريبة من حسم عسكري واضح لصالح طرف من طرفي الحرب، فيما القتال والضربات العسكرية بعيدة المدى تتصاعد بين الجانبين؟
إذا كانت الحرب مكلفة جداً لروسيا، فإن موسكو استطاعت خلال سنوات الحرب الماضية، أن تحافظ على اقتصاد الحرب وتنتج كميات كبيرة من الأسلحة المتنوعة الدقيقة لتغذية عملياتها العسكرية، فيما أوكرانيا تعاني مشكلة حساسة في البشر، والدفاع الجوي، والاعتماد المستمرّ على الدعم النوعي للولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا، ما مكّنها من ضرب العمق الروسيّ بشكل كبير، مستهدفة مناطق روسية وبنى تحتية، ونفطية، وصناعية وعسكرية، ما جعل روسيا غير قادرة على إبقاء الحرب بعيدة عنها.
هنا يُطرح السؤال: إلى أين ستقود حرب الاستنزاف والتصعيد العنيف المتبادل بين موسكو وكييف، وهل ستتغيّر موازين القوى تدريجياً، بحيث يضطر طرف من الطرفين تقديم تنازلات دون انهيار كامل لأحدهما؟! الخطر الكبير يتمثل في تصاعد سلسلة الضربات الشديدة المتبادلة التي تراها كلّ من روسيا وأوكرانيا على أنها ضرورية، والتي قد تصل إلى نقطة لا يستطيع أحد منهما التراجع، خاصة إذا رأت القيادة الروسية أنّ هناك تهديداً وجودياً للدولة والنظام، يخرج عن دائرة حرب الاستنزاف، لأنّ روسيا لا تستطيع مطلقاً تحمّل الضربات التصعيدية على المدى الطويل التي تطال موسكو، نظراً لما لها من تأثير وتداعيات معنوية سلبية على مكانة روسيا وهيبتها وسمعتها، مما يولد حالة شعبية لا تخدم النظام الروسي، إذ إنه في يومي 16 و17 آب/ أغسطس الماضيين تعرّضت منطقة موسكو لموجات ضخمة غير معتادة من المُسيّرات الأوكرانية، حيث كان الهجوم من أكبر الهجمات على موسكو منذ بداية الحرب، والتي استهدفت منشآت النفط واللوجستيات الروسية، تاركة وراءها تداعياتها السلبية داخل الحياة اليومية الروسية.
أوكرانيا المدعومة بالكامل من الغرب، لن تكتفي باستهداف منشآت عسكرية روسية فقط، وإنما أيضاً البنى اللوجستية والاقتصادية الحيوية بهدف رفع تكلفة الحرب لروسيا، وإحداث ضغط نفسي واجتماعي على الشعب الروسي، لكن روسيا لن تقبل مطلقاً أن تجعلها أوكرانيا مسرحاً دائماً للحرب، وهذا يعني أنّ روسيا ستقوم بضربات موجعة أوسع تستهدف البنى التحتية الأوكرانية، كشبكات الطاقة والنقل، ومراكز القيادة العسكرية، والعمليات السيبرانية التخريبية، وعند الضرورة استهداف مصالح بصورة غير مباشرة لدول أوروبيّة، داعمة بشكل سافر لأوكرانيا في حربها مع روسيا.
إذا ما رأت روسيا أنّها في وضع عسكري حرج، ولا يمكن لها بالتالي أن تستمرّ بحرب استنزاف مدعومة كلياً من الغرب، لا أفق نهاية لها، فما الذي يمكن أن تلجأ إليه لوضع حدّ للحرب، غير تكثيف هجوم واسع على أوكرانيا، واستنزاف جيشها لحملها على القبول بشروط موسكو، لا سيما أنّ الضربات داخل روسيا بدأت تتحوّل من إزعاج عسكري إلى أزمة اقتصادية واجتماعية حادة ومستمرّة، نتيجة نقص الوقود، وتعطيل المطارات، وأضرار في المصافي، وغير ذلك من المرافق الحيوية.
إذا كانت موسكو حتى اللحظة، تتحمّل الضربات المؤلمة وتحتويها بعد أن كثفت أوكرانيا من هجماتها الضخمة بالمُسيّرات على موسكو ومناطق روسية أخرى، إلا أنّها زادت من ضرباتها الصاروخيّة يوم 18 آب/ أغسطس كردّ على ما قامت به أوكرانيا، والتي كانت من أكبر موجات التصعيد الجوّي الروسيّ منذ بداية الحرب عام 2022.
هل تستطيع موسكو بترسانتها الصاروخيّة المدمّرة إكراه كييف على الاستسلام بهذه الطريقة، خاصة أنّ أوكرانيا تعمل حالياً على تطوير صواريخ باليستيّة محلية قادرة على ضرب موسكو، مما يحقق توازناً في الردع، ويضع البلدين أمام سباق تصعيد تكنولوجيّ عسكريّ؟ يبدو واضحاً أنّ قدرة روسيا على التحمّل أكبر من قدرة أوكرانيا، وإنْ كان وراءها الغرب، فعندما تصل القيادة الأوكرانيّة إلى قناعة تستنتج منها أنّ تكلفة الاستمرار في الحرب، أصبح أقسى من تكلفة قبول تسوية مؤلِمة لها، عندها سترى كييف نفسها مكرهة على التفاوض مع موسكو، لكونها أصبحت في وضع خطير لا يمكن تحمله على المدى الطويل.
لكن هل مسموح لروسيا تدمير قدرة أوكرانيا على مواصلة الحرب، أو فرض شروطها عليها، دون أن يؤدي ذلك إلى تدخل الغرب، أو إلى مواجهة بين روسيا وحلف الناتو؟! إذا كانت روسيا متواجدة في ميدان أوكرانيا، فإنّ الولايات المتحدة وأوروبا وحلفهما الناتو هم أيضاً متواجدون بصورة غير مباشرة في الميدان الأوكراني، وإذا استطاعت روسيا تدمير قدرات أوكرانيا على مواصلة الحرب دون أن يؤدي ذلك إلى تدخل الغرب، عندئذ ستتمكّن من حمل أوكرانيا على القبول بالشروط الروسية، وإذا فشلت في ذلك، فإنّ حرب الاستنزاف ستستمرّ، ومستوى التدمير بين الطرفين سيكون أعلى بكثير. هذا ما ستبيّنه الأشهر المقبلة لجهة تحوّل الحرب الدائرة حالياً من خطوط الجبهة إلى ضرب العمق الاقتصاديّ، والعسكريّ، والبنيويّ من قبل الطرفين.
لكن لا يمكن لروسيا بأيّ حال من الأحوال أن تقبل بهزيمتها في أوكرانيا، نظراً لتداعياتها الخطيرة مستقبلاً على الأمن القومي الروسي، وعلى مكانة روسيا في العالم، وعلى سيادتها ووحدة أراضيها، لذلك ستستمرّ موسكو في عملياتها العسكرية المكثفة حتى تحقيق أهدافها، وإنْ اضطّرت للذهاب بعيداً في خيارات حربها.
لذلك لوّح الرئيس الروسي بوتين بالسلاح النووي، وقام بتعديل العقيدة النووية الروسية بعد توقيعها رسمياً في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. هذا التعديل يوسّع الحالات التي يمكن فيها التفكير باستخدام السلاح النوويّ رداً على هجوم تقليدي يهدّد بصورة خطيرة سيادة روسيا أو بيلاروسيا. عقيدة موسكو النووية الجديدة تعتبر أنّ هجوم دولة غير نووية على روسيا، مدعومة من دولة نووية، يُعتبر “هجوماً مشتركاً” عليها. جاء هذا التعديل ليكون بمثابة رسالة واضحة للولايات المتحدة ودول الناتو إذا ما تجاوزوا الخطوط الحمراء في الحرب الروسية الأوكرانية، أو انخرطوا فيها لتغيير طبيعة الصراع جذرياً.
إذا كان السلاح النوويّ لن يستخدم تلقائياً، إلا أنه سيكون حاجزاً نفسياً وسياسياً أمام الغرب إذا ما فكر يوماً في إرسال قوات قتالية تابعة للناتو للمشاركة في الحرب الأوكرانية بصورة مباشرة، مما يجعل العقيدة النووية الجديدة لبوتين تحدّث انقساماً داخل المعسكر الغربي، وتضبط إيقاعه إزاء أيّ مخاطرة أو مغامرة عسكرية قد يقوم بها ضدّ روسيا في أوكرانيا. هنا أصبحت الحرب الأوكرانية أخطر بكثير من مجرد حرب بين دولتين، لأنها ستصبح اختباراً لحدود الردع النوويّ بين روسيا والغرب.
عاجلاً أم آجلاً ستنتهي الحرب، لكن من الذي سيتقبّل الهزيمة في نهاية المطاف، خاصة أنّ الصراع الفعليّ في أوكرانيا يدور بين روسيا من جهة، والغرب المتمثل بالولايات المتحدة من جهة أخرى، ولو كان غير ذلك لانتهت الحرب منذ سنوات بتحقيق روسيا أهدافها.
في أوكرانيا تستنزف الولايات المتحدة وحلفاؤها روسيا عسكرياً واقتصادياً، كما تحاصر إيران وتمارس أشرس أنواع الضغط الاقتصادي والتجاري والمالي عليها. هدف واشنطن واضح على الجبهتين الأوروبية والشرق أوسطية: تركيع روسيا، واستسلام إيران وإنهاء دورها وحضورها في المنطقة، ومن ثم إحكام سيطرة واشنطن وتعزيز نفوذها في أوروبا وفي الشرق الأوسط.
وحده صمود موسكو وطهران يُحبط سياسات أميركا، ويفشل أهداف ترامب في أوروبا وغربي آسيا، فليس من خيار أمام موسكو وطهران سوى الصمود، ولا مجال أمامهما للتراجع، وإنْ كان الثمن الباهظ لا بدّ من دفعه لصون الأمن القومي، والحفاظ على الوطن وقراره السيادي المستقل، ووحدة أرضه وشعبه…!