وكتب المحلل في صحيفة "التلغراف"، دانييل دي بيتريس، في مقال بعنوان "إيران تثبت قدرتها على إخراج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط"، أن القواعد والمنشآت العسكرية التي أنشأتها واشنطن على مدى عقود بهدف تعزيز الردع في المنطقة، تحولت الآن إلى نقاط عرضة للاستهداف.
وأشار دي بيتريس، في معرض حديثه عن تصريحات مسؤولي إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مسار العدوان على إيران، إلى أن واشنطن لا تزال تؤكد أن التطورات تسير "وفق الخطة"، إلا أن الوقائع الميدانية ترسم صورة مختلفة.
وبحسب التحليل، فإن "الرواية الأمريكية التي تؤكد أن العمليات العسكرية تسير وفق الخطة تواجه تحديات على أرض الواقع، إذ لم تؤدِ العمليات، إلى تحقيق جميع الأهداف التي كانت واشنطن تسعى إليها".
وأشارت الصحيفة إلى أنه "لو كانت العملية الأمريكية قد سارت وفق السيناريو المخطط له، لكانت إيران قد وافقت على الاتفاق الذي تطالب به واشنطن، ولظل مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز دون قيود، كما لاستمر تشغيل خط أنابيب النفط الرئيسي الذي يربط شرق السعودية بغربها".
خسائر وتكاليف متزايدة
وتناولت الصحيفة بعد ذلك التكاليف المالية والعسكرية للعدوان على إيران، مستندةً إلى تقرير صادر عن مكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي، وقالت إن هذا الصراع كلّف دافعي الضرائب الأمريكيين حتى الآن 38 مليار دولار، فيما قد تصل كلفته الشهرية إلى 3 مليارات دولار، تبعاً لنطاق العمليات.
وجاء في التحليل أيضاً أن تقييم المفتش العام لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) يُظهر تضرر مئات المباني والمنشآت أو تدميرها في القواعد العسكرية الأمريكية بالمنطقة.
وكتبت "التلغراف" أن صور الأقمار الصناعية، بما في ذلك الصور المتعلقة بـقاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية ومقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، تُظهر كذلك حجمًا ملحوظًا من الأضرار.
واعتبرت الصحيفة أن التداعيات الاستراتيجية لهذه التطورات على الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة أهم من حجم الأضرار المادية، مضيفةً أن الافتراضات الأساسية التي قامت عليها السياسة العسكرية لواشنطن خلال العقود الثلاثة الماضية تعرضت للتشكيك في أقل من 7 أشهر.
وبحسب "التلغراف"، بنت الولايات المتحدة استراتيجيتها، منذ نهاية (حرب الكويت) عام 1991، على مفهوم "الدفاع المتقدم"، وأنشأت شبكة واسعة من القواعد والمنشآت اللوجستية الكبرى في الدول العربية في الخليج الفارسي، بهدف تعزيز، وفق ما كانت تبرره واشنطن، قدرتها على الردع في مواجهة إيران وغيرها من الأطراف الإقليمية.
الدول العربية في الخليج الفارسي تعيد النظر في اعتمادها على واشنطن
وفي مؤشر على اتساع تداعيات المواجهة، تحدثت الصحيفة عن نقاشات في الرياض وأبوظبي والدوحة بشأن مدى الاعتماد على الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الرئيسي للأمن الإقليمي.
وأضاف التحليل أن الدول العربية المطلة على الخليج (الفارسي) كانت تنظر آنذاك إلى الوجود العسكري الأمريكي الواسع باعتباره ضمانة لأمنها، إذ وقّعت قطر والبحرين والإمارات العربية المتحدة اتفاقيات دفاعية مع واشنطن عقب حرب الكويت.
وأكدت "التلغراف" أن تطورات الأشهر الأخيرة أضعفت هذه الافتراضات بشدة، إذ تحولت القواعد التي كان من المفترض، في الظروف العادية، أن تشكل عنصرًا للردع، بعد اندلاع الحرب ضد إيران، إلى أهداف مناسبة للهجمات الإيرانية.
وأضافت الصحيفة أن الهجمات الإيرانية المضادة أجبرت الولايات المتحدة على استخدام أعداد كبيرة من صواريخ الاعتراض الدقيقة وأنظمة الدفاع الجوي، مشيرةً إلى أن استبدال هذه المنظومات سيستغرق سنوات، وأن القواعد الأمريكية في الأردن لم تكن بمنأى عن نطاق هذه الهجمات.
ثم كتبت الصحيفة أن نقاشات جادة تدور في الرياض وأبوظبي والدوحة بشأن مدى الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة، وأن القادة العرب يبحثون في ما إذا كان الاعتماد الواسع على قوة أجنبية لتوفير الأمن قد شكّل خيارًا صائبًا أم لا.
وبحسب "التلغراف"، أظهرت السعودية، من خلال توقيع اتفاقيتي دفاع مع باكستان وتركيا الشهر الماضي، مؤشرات على تحركها نحو تنويع ترتيباتها الأمنية.
وأوضحت الصحيفة أن الرياض لا تسعى إلى قطع علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة بشكل كامل، لكنها تعمل على إيجاد مزيد من الخيارات لمواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية.
وفي خلاصة تحليلها، أشارت "التلغراف" إلى "مبدأ كارتر" لعام 1979، الذي اعتبر أمن موارد الطاقة في الخليج (الفارسي) جزءًا من الأمن القومي الأمريكي، وكتبت أنه بعد ما يقرب من نصف قرن، قام دونالد ترامب عمليًا بإلغاء هذا المبدأ.