وجاء في تقرير لوكالة "إيرنا"، عادت الولايات المتحدة إلى الدفع باتجاه تشكيل إطار أمني وعسكري إقليمي بمشاركة كيان الاحتلال ودول عربية، في مسعى لإعادة صياغة منظومة الأمن في الشرق الأوسط وربطها باحتواء إيران، في وقت تتزايد فيه الشكوك بشأن جدوى الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية.
ويأتي التحرك الأمريكي في ظل تداعيات العدوان على إيران، وما خلفته من تداعيات أمنية واقتصادية على عدد من دول المنطقة، ولا سيما الدول التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية. وتسعى واشنطن إلى تعميق التعاون الأمني بين كيان الاحتلال وبعض الدول العربية، وربط ذلك بمسار تطبيع العلاقات بين "تل أبيب" ودول المنطقة.
محاولات أمريكية متكررة
ولا تعتبر فكرة إنشاء ترتيبات أمنية إقليمية برعاية أمريكية جديدة، إذ سبق لواشنطن أن طرحت صيغًا مختلفة، من حلف بغداد ومنظمة «سنتو» في خمسينيات القرن الماضي، وصولًا إلى مشروع «التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط» خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب محاولات دمج منظومات الدفاع الجوي بمشاركة الكيان الصهيوني.
وبحسب التقرير، لم تنجح هذه المشاريع في التحول إلى منظومة دفاع جماعي متماسكة ومستدامة على غرار حلف شمال الأطلسي، فيما اتخذ بعضها طابعًا معاديًا لإيران بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
تآكل الثقة بالمظلة الأمريكية
ويركز التقرير على ما يصفه بتراجع الثقة لدى عدد من الدول العربية في التعهدات الأمنية الأمريكية، خصوصًا بعد تعرض منشآت وبنى تحتية في المنطقة لأضرار خلال العدوان، رغم وجود قواعد عسكرية أمريكية في عدد من هذه الدول.
وينقل التقرير عن باحثين ودبلوماسيين أن التطورات الأخيرة أعادت طرح تساؤلات حول قدرة الوجود العسكري الأمريكي على توفير الأمن لدول المنطقة، وما إذا كان هذا الوجود قد يتحول، في ظروف التصعيد العسكري، إلى عامل يزيد من مخاطر استهداف البنى التحتية والمصالح الاقتصادية.
كما يشير إلى أن دول المنطقة لم تكن طرفًا رئيسيًا في صياغة القرارات الأمنية التي قادت إلى التصعيد الأخير، الأمر الذي يعزز، وفق التقرير، الدعوات إلى إعادة النظر في نموذج أمني يقوم على الاعتماد الكامل على قوة خارجية.
مشروع ترامب والاحتلال الإسرائيلي؛ توسيع "اتفاقات أبراهام" وفرض نظام قائم على الاستقطاب
ويرى التقرير أن واشنطن و"تل أبيب" تسعيان إلى توسيع نطاق «اتفاقات أبراهام» وتحويلها من إطار لتطبيع العلاقات إلى منصة للتعاون الأمني والعسكري في مواجهة إيران.
وفي المقابل، يشير التقرير إلى أن استمرار القضية الفلسطينية والتداعيات الإقليمية للسياسات الإسرائيلية يمثلان عقبة أمام توسيع هذا المسار، خصوصًا في ظل مخاوف دول عربية من الانخراط في ترتيبات أمنية قد تدفع المنطقة نحو مزيد من الاستقطاب والتوتر.
طهران تطرح أمنًا إقليميًا بمشاركة دول المنطقة
في مواجهة هذه المقاربة، تعتمد رؤية إيران على أمن إقليمي بمشاركة جميع دول المنطقة في صياغة الترتيبات الأمنية، بعيدًا عن التحالفات العسكرية التي تستهدف طرفًا اإقليميًا بعينه.
ويشير التقرير إلى أن طهران طرحت خلال السنوات الماضية مبادرات عدة لتعزيز التعاون بين دول المنطقة، من بينها مبادرة الأمل للسلام في مضيق هرمز، إلى جانب مقترحات تقوم على صيغة التعاون بين الدول الثماني المشاطئة للخليج الفارسي.
ويستند التصور الإيراني إلى تعزيز التعاون بين دول المنطقة، وتوسيع الدبلوماسية مع دول الجوار، وتقليص الاعتماد على القوى الأجنبية في توفير الأمن الإقليمي.
دعم روسي وصيني للأمن الإقليمي
ويشير التقرير كذلك إلى وجود تقارب بين الرؤية الإيرانية ومقترحات روسية وصينية تدعو إلى تعزيز ترتيبات أمنية إقليمية بمشاركة دول المنطقة والحد من التدخلات الخارجية.
وفي هذا السياق، يبرز التقرير مبادرات طرحتها موسكو وبكين بشأن أمن غرب أسيا والخليج الفارسي، تقوم على التعاون الإقليمي وعدم استخدام أراضي دول المنطقة في أعمال عسكرية ضد دول الجوار.
خياران أمام المنطقة
ويخلص التقرير إلى أن غرب أسيا يقف أمام مسارين متباينين: استمرار الاعتماد على ترتيبات أمنية تقودها الولايات المتحدة وتقوم على "احتواء إيران"، أو الانتقال نحو منظومة أمن إقليمي تشارك فيها دول المنطقة بصورة مباشرة.
ويجعل تزايد المخاوف من تداعيات الصراعات الإقليمية، إلى جانب تنامي الدعوات إلى خفض التصعيد والحفاظ على قنوات الحوار مع طهران، يجعل مستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة مرتبطًا بقدرة دولها على الانتقال من منطق التحالفات والاستقطاب إلى نموذج يقوم على التعاون الجماعي.
وفي هذا السياق، تقدم طهران رؤيتها باعتبار أن أمن المنطقة ينبغي أن يكون نتاجًا لتفاهم وتعاون دولها، لا نتيجة ترتيبات تفرضها قوى خارجية أو تحالفات عسكرية.