في لحظة سياسية وميدانية شديدة الحساسية، يثير غياب الرد العسكري الفوري على الاعتداءات الإسرائيلية تساؤلات حول ما إذا كان يعكس تراجعًا في قرار المواجهة، إلا أن قراءة المشهد من زاوية عسكرية ضيقة قد تقود إلى استنتاجات متسرعة.
فالمواجهة لا تُقاس دائمًا بسرعة الرد، بل بقدرة أي طرف على إدارة قوته، وحساب كلفة خطواته، واختيار التوقيت الذي يخدم أهدافه. ومن هذا المنطلق، يبدو أن المقاومة تتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها فترة لإعادة ترتيب الأولويات، وترميم القدرات، وتعزيز الجهوزية، وتنظيم المستويات القيادية والميدانية، مع إبقاء خيار الرد قائمًا من دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة في توقيت قد لا يخدم مصالحها.
كما أن طبيعة المواجهة الحالية تتجاوز البعد العسكري، لتتداخل فيها الحسابات السياسية والأمنية والإقليمية والدولية. لذلك، يصبح توقيت الرد وطبيعته جزءًا من معركة أوسع، لا مجرد استجابة تلقائية لكل خرق إسرائيلي.
وفي المقابل، يتيح ضبط الرد الحفاظ على صورة الطرف المتمسك بالتفاهمات ووقف إطلاق النار، وتحميل "إسرائيل" مسؤولية تقويضها في حال استمرار الخروقات. وبذلك، قد يتحول الامتناع عن الرد الفوري إلى ورقة سياسية وإعلامية بحد ذاته، من دون أن يعني بالضرورة التخلي عن خيار المواجهة.
وفي موازاة ذلك، تضع الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة السلطة اللبنانية أمام مسؤولياتها، خصوصًا بعدما انخرطت في مسار سياسي ومفاوضات بهدف حماية السيادة ووقف الاعتداءات. واستمرار الخروقات من دون نتائج ملموسة يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول جدوى تقديم التنازلات في مقابل ضمانات لا تتحقق.
وعليه، فإن غياب الرد الواسع على كل اعتداء لا يعني حكمًا ضعفًا أو تراجعًا، بل قد يكون جزءًا من إدارة القوة وتحديد توقيت استخدامها. فالمعادلة تقوم على إعادة بناء القدرات، وتعزيز الجهوزية، وحماية البيئة الداخلية، ومراقبة التطورات، والحفاظ على هامش سياسي، مع إبقاء خيار الرد قائمًا.
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: لماذا لا ترد المقاومة؟ بل: هل يخدم الرد الفوري أهدافها، أم أن تأجيله يمنحها قدرة أكبر على اختيار التوقيت والشكل الأكثر تأثيرًا؟
ففي صراعات بهذا الحجم، لا تُقاس القوة بسرعة استخدامها فقط، بل بالقدرة على إدارتها واختيار اللحظة التي تجعل استخدامها أكثر فاعلية وتأثيرًا.