بقلم: طوفان الجنيد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، القائل:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴿١﴾ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ﴿٢﴾ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴿٣﴾﴾
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الأطهار.
الحمد لله الذي صدقنا وعده، وأمدّنا بنصره وتأييده، سبحانه وتعالى، إن كان وعده مفعولًا. نحمده ونشكره ونسبّحه ونستغفره.
أما بعد:
في معركة التحرير والحرية التي خاضتها قواتنا المسلحة الباسلة ورجال الرجال المجاهدون في الجبهة الغربية لمحافظة تعز، في مواجهة أعتى فلول وفيالق العدو السعودي وتحشيداته الكبيرة، ترسمت ملامح جديدة للخارطة الاستراتيجية للجغرافيا اليمنية، في تمازج نادر بين الموقع الطبيعي الحاكم والبأس الميداني الصلب.
فلم تعد الأهمية الجيوسياسية لليمن محصورة في مجرد الامتداد الجغرافي، بل تحولت إلى عامل مؤثر يتجاوز حافة البحر الأحمر، ليمتد شعاع نفوذه الحركي والتكتيكي من باب المندب وصولًا إلى مشارف مضيق هرمز ومياه المحيط الهندي.
وتتأكد أبعاد هذه الاستراتيجية الجغرافية الجديدة من خلال إعادة تعريف الأمن البحري والإقليمي، وصياغة معادلة ردع متكاملة تتخطى الحدود الضيقة للبحر الأحمر؛ إذ باتت التحركات في خليج عدن ترتبط عضويًا بالتوازنات البحرية الممتدة نحو خليج عُمان ومضيق هرمز.
وقد فرض هذا الواقع الميداني إعادة ترتيب الأوراق الأمنية والتحالفات من شرق المتوسط إلى شبه الجزيرة العربية، بما جعل التحكم في نقاط الملاحة الدولية عملية متبادلة وتكاملية، لا يمكن فيها فصل المندب عن هرمز.
وإلى جانب البعد العسكري والأمني، تعزز العمق الجيواقتصادي لهذه المعادلة، بعدما أثبت اضطراب حركة التجارة انعكاسه المباشر على تكاليف التأمين وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما منح القرار السياسي والميداني في اليمن قدرة أكبر على التأثير في مسارات التفاوض والحسابات الإقليمية والدولية.
عملية "والله أشد بأسًا"
ولم تكن هذه الاستراتيجية السيادية الممتدة وليدة الصدفة، بل عُمّدت بدماء الشهداء الأبرار وبأس المقاتلين الأبطال على الأرض.
وفي قلب هذا التحول الجيوسياسي، جاء بيان القوات المسلحة اليمنية ليعلن رسميًا تفاصيل عملية "والله أشد بأسًا"، وهي التسمية المستمدة من قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ سورة النساء: 84.
وتأتي هذه العملية بوصفها واحدة من أبرز الملاحم البطولية الميدانية التي أعادت صياغة قواعد الاشتباك، ورسمت موازين جديدة للقوى في الساحل الغربي والممرات المائية.
وأكد البيان الرسمي أن العملية، التي ابتدأت في الثالث من سبتمبر، نُفذت عبر مسارات هجومية واسعة استهدفت تحشيدات العدو، وأدت إلى طردها من ست مديريات حيوية، بمساحة جغرافية تتجاوز 5400 كيلومتر مربع، مشيرًا إلى تدمير وتكبيد عشرات الألوية العسكرية، وإسقاط عدد من طائرات العدو السعودي، وتحرير عشرات الأسرى.
وقد كشفت هذه التطورات عن قوة الحق وهشاشة الباطل، وعن حالة الانهيار التي أصابت الدفاعات والتحصينات التي اعتمد عليها العدو السعودي ومرتزقته.
كما شدد بيان القوات المسلحة على معادلتي "التصعيد بالتصعيد" و"الحصار بالحصار"، موضحًا أن هذه التحركات الميدانية تأتي في إطار حماية السيادة الوطنية وفرض معادلة ردع حاسمة، تمتد آثارها إلى حماية المياه الإقليمية وتأمين حركة الملاحة على امتداد البحر الأحمر وخليج عدن.
من الجبهة البرية إلى الممرات البحرية
وقد ترجم هذا التفوق الميداني نفسه مباشرة إلى البحر؛ إذ برهنت الأحداث والبيانات الرسمية أن القوة التي تدير الممر المائي وتفرض شروطها في البحر الأحمر هي ذاتها التي امتلكت زمام المبادرة في خطوط التماس البرية.
وهنا تتجسد بصورة عملية الدلالة التي استُلهمت منها تسمية العملية "والله أشد بأسًا"، لتؤكد أن أي تهديد للسيادة اليمنية سيقابله رد أشد تأثيرًا، وأن معادلة الردع لم تعد محصورة في جبهة واحدة أو نطاق جغرافي ضيق.
وتتجاذب هذه المعادلة الجديدة جملة من المكاسب والتحديات؛ فبينما تحقق ورقة ضغط متكاملة تربط أمن الملاحة بالملفات الإقليمية الحيوية، وتفرض معادلة أمنية تجعل حسابات القوى الدولية أكثر حذرًا، تبرز في المقابل تحديات الكلفة الاقتصادية ومخاطر عسكرة الممرات البحرية، مع تزايد الوجود العسكري الأجنبي.
المندب وهرمز.. تكامل جغرافي في معادلة الردع
إن تثبيت هذه الاستراتيجية الجغرافية الممتدة من المندب إلى هرمز يتطلب تحويل القوة العسكرية والبأس الميداني المشهود في ساحات المعركة إلى مشروع جيوسياسي مستدام، يحافظ على استقلال القرار الوطني، ويجعل الممرات البحرية أكثر تحررًا من الهيمنة الاستكبارية الأمريكية.
وهنا يبقى اليمن ركنًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه في إدارة الأمن الملاحي وصياغة التوازنات القادمة في المنطقة، خصوصًا مع تداخل الجغرافيا اليمنية مع أهم الممرات البحرية الدولية، وفي مقدمتها باب المندب وخليج عدن.
إن هذه الدلالات الاستراتيجية تتقاطع في جوهرها مع مواجهة التهديدات الاستكبارية الأمريكية والغربية، وتمثل إحدى أهم الأوراق الاستراتيجية في مواجهة قوى الأطماع الاحتلالية.
وقد برز قلق هذه القوى من التحولات المتسارعة، ومن حجم الخسائر التي مُني بها مشروعها، ومن اتساع هامش الحركة أمام القوى المناهضة للهيمنة في المنطقة، بما يؤكد أن المعادلة لم تعد تُصاغ من طرف واحد، وأن الجغرافيا اليمنية أصبحت جزءًا فاعلًا في إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية.
فالحمد لله على ما أنعم وأكرم، وصدق الله العلي القدير حين قال: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۖ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.